لم يعد البحر في قطاع غزة مساحة للرزق كما كان لعقود طويلة، بل تحول إلى ساحة خوف مفتوحة، يخرج إليها الصياد الفلسطيني حاملاً روحه على كفه، بين رصاص الزوارق الحربية الإسرائيلية، والجوع الذي يطارد عائلته على اليابسة.
في غزة، لم تعد خسارة الصياد تقتصر على مركب أو شبكة صيد، بل أصبحت خسارة أبناء وأحلام وأعمار كاملة، بينما يواصل البحر ابتلاع حكايات رجال أنهكتهم الحرب، وتركهم الحصار معلقين بين الجوع والموت، في انتظار يوم يعود فيه البحر آمناً كما كان.
شهادات فقد ودمار
يقول الصياد حاتم الهسي، في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، إن "لقمة الصياد مغمسة بالدم"، موضحاً أن الصيادين وعائلاتهم يعيشون حالة قلق دائم، خصوصاً مع إطلاق قوات الاحتلال النار بشكل متكرر تجاه مراكب الصيد في عرض البحر أثناء العمل.
ويشير الهسي إلى أن الاحتلال يواصل انتهاك حقوق الصيادين الفلسطينيين وحرمانهم من العمل الآمن، مطالباً العالم بالوقوف إلى جانب الصيادين الذين باتوا يواجهون الموت كل يوم فقط من أجل تأمين لقمة العيش.
أما الصياد محمد الهسي (55 عاماً)، فيروي حكاية فقدان مضاعف لم تترك له الحرب فيها شيئاً، إذ خسر مركبه خلال حرب الإبادة على غزة، وفقد معه مصدر رزقه وكل ما يملك، بعدما كان يمتلك مركب صيد يبلغ طوله 20 متراً.
ويقول محمد لـ"وكالة سند للأنباء"، إنه يعمل اليوم عاملاً مع الصيادين بعدما كان صاحب مركب، فقط ليتمكن من توفير الحد الأدنى من احتياجات عائلته.
ويضيف بصوت مثقل بالحزن: "ابني كان صياداً وكنت أرسله ليكون ريس المركب الذي نمتلكه، لكنه استشهد، وكذلك استشهد ابن أخي، وخسرت كل شيء".
ويتابع: "كل يوم نرى الموت بأعيننا إذا خرجنا للصيد، وأصبحت أكبر أمنياتنا أن يعود الصيادون إلى البر بخير وسلامة، ولم نعد نريد صيد السمك بقدر ما نريد النجاة".
أرقام تكشف حجم الكارثة
من جانبه، يؤكد المتحدث باسم الصيادين زكريا بكر، لـ"وكالة سند للأنباء"، أن الصيادين يعيشون أكثر من عامين ونصف من المنع شبه الكامل من دخول البحر بسبب الإجراءات الإسرائيلية.
ووصف منع الاحتلال للصيادين من دخول البحر، بأنه "أطول منع لقطاع صيد مدني أعزل في التاريخ"، في مخالفة واضحة للأعراف والقوانين الدولية.
ويكشف بكر أن الاحتلال دمّر نحو 95% من ممتلكات الصيادين في قطاع غزة، بما يشمل المراكب والمحركات ومخازن وغرف الصيادين، إضافة إلى تدمير البنية المساندة لقطاع الصيد، مثل مصانع الثلج وسوق السمك.
وبحسب بكر، فقد استشهد 232 صياداً بنيران الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة، من بينهم 70 صياداً قتلوا أثناء محاولتهم دخول البحر عبر مراكب صغيرة لصيد الأسماك.
ولا يزال أكثر من 100 صياد داخل سجون الاحتلال، إلى جانب إصابة 120 آخرين بجروح متفاوتة، وفق بكر.
