لم يعد الجوع في غزة يُقاس بعدد الوجبات المفقودة، بل بنوعية الأشياء التي تحوّلت إلى أحلام صغيرة بعيدة المنال؛ فالمدينة التي اعتادت طوابير الخبز والماء والوقود، وجدت نفسها هذه المرة أمام مشهد أكثر قسوة وعبثية: طوابير طويلة من أجل كرتونة بيض.
وسط ازدحام صاخب في أحد شوارع القطاع، ظنّ أحد الشبان أن شجارًا أو حادثًا وقع في المكان، قبل أن يكتشف أن الناس يتدافعون للحصول على البيض بعد الإعلان عن وصول كمية محدودة للبيع بسعر مدعوم.
"ادفع بالتطبيق، سجّل الهوية، واستنّى دورك".. هكذا قيل له عند نقطة التوزيع، يبتسم الشاب خضر الحداد بمرارة وهو يروي المشهد لـ "وكالة سند للأنباء": "طول عمري أسمع عن بيض بالبصل وبيض شكشوكة، لكن بيض على الهوية؟ هذه أول مرة".
في غزة، لا تبدو هذه العبارة مجرد نكتة سوداء أطلقها مواطن منهك، بل توصيفًا دقيقًا لمدينة أعادت الحرب تشكيل علاقتها بأبسط تفاصيل الحياة؛ حتى البيض، بوصفه الطعام الأرخص والأكثر حضورًا على موائد الفقراء، تحوّل إلى سلعة نادرة تحتاج إلى طابور وانتظار وربما واسطة.
الطوابير مشهدًا يوميًا للإهانة
في أحد مراكز البيع بمدينة غزة، وقفت شادية الكحلوت، وهي نازحة من شمال القطاع، لساعات طويلة على أمل الحصول على طبق بيض لعائلتها.
وتقول الكحلوت في حديث لـ "وكالة سند للأنباء": "أطفالي لم يتذوقوا البيض منذ أشهر. لم أكن أتصور يومًا أن أصل إلى مرحلة أعتبر فيها شراء البيض إنجازًا".
تتوقف قليلًا قبل أن تضيف: "الناس هنا لا تقف في الطوابير لأنهم يريدون الرفاهية، بل لأنهم يحاولون حماية أطفالهم من الجوع".
لم يعد مشهد الطوابير استثناءً في غزة؛ إذ تتحول أخبار وصول شاحنات البيض إلى ما يشبه البلاغات العاجلة على مجموعات التواصل الاجتماعي، فيما يتسابق الناس إلى نقاط البيع قبل نفاد الكميات المحدودة.
المفارقة الأكثر قسوة أن البيض، الذي ارتبط تاريخيًا بوصفه طعام الفقراء، بات اليوم خارج قدرة شريحة واسعة من هؤلاء الفقراء أنفسهم.
من الاكتفاء الذاتي إلى اقتصاد الندرة
قبل الحرب، لم يكن البيض يشكّل هاجسًا لسكان القطاع، فغزة التي امتلكت ما بين 250 إلى 300 مزرعة دجاج بيّاض، كانت تحقق اكتفاءً ذاتيًا يقترب من 95%، بإنتاج شهري تراوح بين 15 و20 مليون بيضة.
لكن الحرب لم تكتفِ بتدمير المباني والبنى التحتية، بل امتدت إلى واحدة من أكثر الحلقات هشاشة في الأمن الغذائي.
المزارع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، والدواجن نفقت تباعًا بفعل انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والأعلاف، فيما تعرقلت محاولات إعادة تشغيل القطاع نتيجة القيود المفروضة على إدخال البيض المخصب والتحصينات البيطرية.
ومع الانهيار شبه الكامل للإنتاج المحلي، أصبح سكان غزة رهائن لكميات محدودة ومتقطعة من البيض المورد عبر المعابر، وهي كميات لا تغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياج الفعلي للسكان.
هكذا انتقلت غزة، خلال أشهر قليلة، من اقتصاد الاكتفاء النسبي إلى اقتصاد الندرة الحادة، حيث تتحول السلع الأساسية إلى مواد موسمية تخضع لمنطق الانتظار والتدافع والسوق السوداء.
السوق السوداء تلتهم ما تبقى
ورغم التسعيرة الرسمية التي حددتها وزارة الاقتصاد لطبق البيض بنحو 40 شيكلًا، فإن الواقع في الأسواق يسير في اتجاه مختلف تمامًا.
فشُحّ الكميات خلق سوقًا سوداء موازية تجاوز فيها سعر الطبق 80 شيكلًا، بزيادة تفوق 100% عن السعر الرسمي، بينما كان سعره قبل الحرب يتراوح بين 13 و15 شيكلًا فقط.
هذا الارتفاع الحاد لا يعكس أزمة سلعة فحسب، بل يكشف حجم التشوه الذي أصاب الدورة الاقتصادية والغذائية في القطاع، حيث تتآكل القدرة الشرائية للأسر بالتوازي مع اختفاء أبسط المواد الأساسية.
وباتت كثير من العائلات تلجأ إلى شراء عدد محدود من البيضات بدلًا من طبق كامل، فيما اضطرت أسر أخرى إلى حذف البيض نهائيًا من قوائمها الغذائية.
