تبدو أسواق المواشي في الضفة الغربية، قبيل عيد الأضحى المبارك، أقل ازدحامًا بالحركة الشرائية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي دفعت آلاف العائلات إلى التراجع عن شراء الأضاحي.
وبين انقطاع العمال عن أعمالهم، واستمرار أزمة الرواتب، وارتفاع تكاليف المعيشة، تحولت شعيرة الأضحية لدى كثير من الفلسطينيين من عادة سنوية إلى عبء يفوق قدرتهم المادية، وحلمًا يصعب تحقيقه.
ويؤكد تجار ومختصون أن القدرة الشرائية تراجعت بشكل حاد هذا العام، ما انعكس على الإقبال الضعيف على شراء الأضاحي، وسط مخاوف من موسم يُعد من الأضعف منذ سنوات بالنسبة للمواطنين وأصحاب الملاحم على حد سواء.
إقبال ضعيف وتراجع في القدرة الشرائية
ويقول رئيس نقابة أصحاب الملاحم، عمر نخلة، إن الإقبال على شراء الأضاحي هذا العام يُعد ضعيفًا جدًا مقارنة بالسنوات السابقة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، متوقعًا ألا تتجاوز نسبة الإقبال 20%.
ويوضح نخلة، في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الأوضاع المعيشية الصعبة أثّرت بشكل مباشر على المواطنين، الذين بات كثير منهم غير قادر على توفير ثمن الأضحية، أو حتى شراء اللحوم بشكل منتظم.
ومع ذلك، يشير إلى أن الأسعار لم تشهد ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالعام الماضي بسبب ضعف الحركة الشرائية، رغم وجود نقص في الأغنام، خاصة الخروف البلدي المطلوب للشعائر الدينية.
ويبيّن "ضيف سند"، أن سعر كيلو الخروف البلدي "قائم" يبلغ حاليًا نحو 48 شيكلًا، فيما تتراوح تكلفة الخروف كاملًا بين 3000 و4000 شيكل بحسب الوزن، في حين لا تقل حصة الأضحية في العجل عن 1500 شيكل إذا اشترك 6 إلى 7 أشخاص في الأضحية.
ويردف: "ارتفاع تكلفة الأضاحي جعلها خارج قدرة شريحة واسعة من المواطنين، ما حرم كثيرًا من العائلات من أداء الشعيرة، وأدى في الوقت ذاته إلى تراجع الإقبال وإلحاق ضرر واضح بعمل الملاحم وحركة السوق".
إهمال رسمي..
وفي إطار حديثه عن الثروة الحيوانية والاهتمام الرسمي بها، يوجّه "نخلة" انتقاده لما وصفه بـ "إهمال قطاع الثروة الحيوانية"، محمّلًا الجهات المختصة مسؤولية تراجع هذا القطاع وعدم توفير حلول حقيقية تخفف الأعباء عن المواطنين، داعيًا إلى دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الثروة الحيوانية الفلسطينية بدل الاعتماد على السوق الإسرائيلي.
ولا تنتج السوق الفلسطينية سوى نسبة بسيطة من الأبقار، كما لا تتجاوز نسبة الاكتفاء من الأغنام 5% من الاحتياجات، ما يضطر التجار والمواطنين إلى الاعتماد على الاستيراد من السوق الإسرائيلي، وفق نخلة.
ويؤكد ضيفنا، أن المشكلة لا تتعلق فقط بموسم الأضحى، بل بقدرة المواطن على شراء اللحوم وتوفير احتياجات أسرته على مدار العام، داعيًا المسؤولين إلى العمل الجاد لتحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين.
الركود سيّد الموقف!
وقبل أيام قليلة من حلول عيد الأضحى، لا يزال الركود سيد الموقف في سوق المواشي بمدينة الظاهرية، أحد أكبر الأسواق في جنوب الضفة، رغم الاكتظاظ الملحوظ في الأسواق.
ويؤكد التاجر محمد رجبي، صاحب ملحمة في الخليل، أن حركة المواطنين لا تعكس حركة شراء حقيقية، موضحًا أن معظم المتسوقين يكتفون بتفحص الأسعار دون القدرة على الشراء.
ويقول رجبي، لـ "وكالة سند للأنباء"، إنه كان يبيع خلال مواسم عيد الأضحى في السنوات الماضية ما بين 160 و200 رأس من الخراف والمواشي، بينما لم يتجاوز عدد الحجوزات هذا العام 60 رأسًا فقط، إضافة إلى تراجع ذبح العجول بنسبة تزيد على 70%.
ويرجع رجبي هذا التراجع إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة، موضحًا أن المواطن لم يعد يمتلك ما يكفي لتأمين احتياجات أطفاله الأساسية، فكيف له شراء أضحية يبلغ سعرها نحو 2500 شيكل، مشيرًا إلى أن مربي المواشي قد يواجهون صعوبة كبيرة في تسويق مواشيهم هذا الموسم مقارنة بالأعوام السابقة.
الأضحية تتحول إلى حلم للموظفين
من جهته، يقول معلم المدرسة أحمد عمرو، لـ "وكالة سند للأنباء"، إن أمله كان أن تصرف الحكومة جزءًا من الرواتب قبل العيد ليتمكن من تحقيق حلم أطفاله بإقامة الأضحية في المنزل، إلا أن الموظفين ما زالوا ينتظرون، كما حدث الشهر الماضي، صرف جزء من الراتب بقيمة 2000 شيكل، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات العيد الأساسية.
ويضيف عمرو، أن شعيرة الأضحية تحوّلت إلى حلم بالنسبة لكثير من الموظفين منذ أربع سنوات، في ظل الأزمة الاقتصادية واستمرار أزمة الرواتب، مؤكدًا أن العديد من العائلات باتت بالكاد توفر اللحوم لأطفالها من عيد إلى آخر.
الحرب واعتداءات الاحتلال تعمّق الأزمة..
من جانبه، يرى المختص بالشأن الاقتصادي، أيهم أبو غوش، أن تراجع الإقبال على شراء الأضاحي هذا العام يعود إلى جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية التي أثرت بشكل مباشر على الواقع المعيشي للمواطنين الفلسطينيين.
ويوضح أبو غوش، في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الاقتصاد الفلسطيني شهد خلال العامين الماضيين تباطؤًا حادًا نتيجة تداعيات الحرب والإجراءات الإسرائيلية، وفي مقدمتها حجب أموال المقاصة لفترات طويلة، الأمر الذي حدّ من قدرة الحكومة على صرف رواتب الموظفين كاملة والوفاء بالتزاماتها المالية.
وباتت الفئات القادرة على شراء الأضاحي تقتصر على أصحاب الدخل المرتفع وبعض فئات الطبقة المتوسطة المستقرة ماليًا، مثل بعض موظفي القطاع الخاص والتجار ورجال الأعمال، وفق أبو غوش.
ويتوقع ضيفنا، ألا تتجاوز نسبة القادرين على شراء الأضاحي هذا العام 30% من إجمالي المواطنين.
ويكمل: "أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني توقفوا عن التوجه إلى أعمالهم منذ السابع من أكتوبر، وهي الفئة التي كانت تضخ نحو مليار ونصف شيكل شهريًا في السوق الفلسطينية، بما يعادل قرابة 18 مليار شيكل سنويًا، ما أدى إلى تراجع كبير في الحركة الاقتصادية والقدرة الشرائية".
وخلقت الإجراءات الإسرائيلية، من حواجز وإغلاقات ومنع حرية الحركة للأفراد والبضائع، بيئة اقتصادية ضاغطة انعكست على مختلف القطاعات، ودفعت المواطنين إلى التركيز على تأمين الاحتياجات الأساسية على حساب أمور أخرى، بينها شراء الأضاحي، وفق أبو غوش.
ويبيّن أبو غوش أن جزءًا من الأضاحي يعتمد على الإنتاج المحلي، خاصة الأغنام، إلا أن الثروة الحيوانية تعرضت لتراجع بسبب اعتداءات المستوطنين على المراعي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الأعلاف، ما ساهم في ارتفاع الأسعار.
وشهدت الأسابيع الماضية، اعتداءات متصاعدة شنها المستوطنون ضد المزارعين الفلسطينيين في المناطق الريفية والتجمعات البدوية بالضفة الغربية، أسفرت عن خسائر باهظة، لا سيما بعد سرقة مئات من رؤوس الماضية على يد المستوطنين وتحت حماية قوات الاحتلال.
