أكدت الأمم المتحدة أن قوات إسرائيلية ارتكبت جرائم اغتصاب وانتهاكات جنسية مختلفة وممنهجة، بحق معتقلين فلسطينيين.
وقالت الأمم المتحدة، اليوم الجمعة، إنها وثقت أنماطا مستمرة وممنهجة من الاغتصاب والعنف الجنسي في عدد من مناطق النزاع حول العالم، وإنها أدرجت قوات وأجهزة أمنية إسرائيلية ضمن الجهات المتورطة في تلك الانتهاكات، إلى جانب جماعات مسلحة وقوات نظامية في دول أخرى.
وقالت براميلا باتن، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع، إن التقرير لا يقتصر على دولتين أو منطقة بعينها، بل يشمل 21 دولة متأثرة بالحروب.
وأكدت باتن، خلال عرضها التقرير السنوي بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات في نيويورك، أن التركيز الأساسي ينصب على الضحايا الذين "حُطمت أجسادهم ومستقبلهم" بسبب هذه الجرائم، سواء كانوا نساء أو فتيات أو رجالاً أو أطفالاً.
وخصص التقرير الذي يغطي العام 2025، فصلا بعنوان "إسرائيل ودولة فلسطين"، تناول فيه ادعاءات تتعلق بأسرى إسرائيليين أفرج عنهم من غزة، إلى جانب حالات وثقتها الأمم المتحدة بشأن عنف جنسي ضد فلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية خلال احتجازهم لدى الاحتلال.
وأفاد التقرير بأن أنماط العنف الجنسي ضد فلسطينيين محتجزين في "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية المحتلة استمرت خلال عام 2025.
وأشار إلى أن الحالات التي تحققت منها الأمم المتحدة يجب أن تُفهم كمؤشرات على نمط ممتد عبر فترات طويلة، لا كقائمة شاملة، في ظل استمرار رفض الحكومة الإسرائيلية السماح بالوصول إلى أماكن الاحتجاز وإلى قطاع غزة.
ونبه إلى أن الإبلاغ عن هذه الانتهاكات ظل يواجه صعوبات، من بينها تهديدات مباشرة نسبت إلى أجهزة الأمن التابعة لسلطات الاحتلال الإسرائيلية، بهدف ثني المعتقلين عن الإبلاغ عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.
وبحسب مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، أفرجت "إسرائيل"، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عن 1,968 فلسطينيا، فيما لا يزال أكثر من 9,000 أسير فلسطيني في السجون ومراكز الاحتجاز، بينهم أكثر من 4,000 من دون تهم أو محاكمة أو ضمن الاعتقال الإداري.
ووفق التقرير، تحققت الأمم المتحدة من حالات عنف جنسي مرتبطة بالنزاع، بوصفها شكلا من أشكال التعذيب، طاولت 14 رجلا و7 نساء و9 فتيان وفتاة واحدة من قطاع غزة والضفة الغربية. ووقعت 13 حالة من هذه الحالات خلال عام 2025، فيما تعود 18 حالة أخرى إلى عامي 2023 و2024.
وتضمنت الانتهاكات التي وثقها التقرير: الاغتصاب، بما في ذلك باستخدام أدوات، والاغتصاب الجماعي، ومحاولات الاغتصاب، والعنف الجسدي الموجه إلى الأعضاء التناسلية، وإطلاق النار المتعمد باتجاهها، واللمس غير المرغوب فيه، والتفتيش العاري وتفتيش تجاويف الجسد دون مبرر أمني ظاهر، والإجبار على التعري، والتهديد بالاغتصاب.
وأورد التقرير تسع حالات، غالبيتها من قطاع غزة، تعرض فيها الضحايا للاغتصاب والاغتصاب الجماعي، وفي بعض الحالات بشكل متكرر.
وحمّل التقرير مسؤولية هذه الانتهاكات لعناصر من الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ومن بينها الجيش، ومصلحة السجون، بما في ذلك وحدة "كيتر" الخاصة، ووحدة "يمام" التابعة للشرطة الإسرائيلية.
وذكر التقرير أن هذه الانتهاكات قعت أساسا خلال الاحتجاز والتحقيق، وفي مواقع عدة، بينها معسكر "سديه تيمان"، ومركز احتجاز "عتصيون"، ومعسكر "المجنونة"، وقاعدة عسكرية غير محددة، إضافة إلى منشآت تابعة لمصلحة السجون، بينها سجون "مجدو"، و"عوفر"، و"الرملة"، و"هشارون"، و"شطة"، و"نفحة"، و"الدامون"، وكذلك مركز شرطة "غوش عتصيون".
كما سجلت انتهاكات على الحواجز وخلال عمليات عسكرية إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وكان من بين الضحايا صحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان.
وكشف التقرير أن معظم الحالات تضمنت أكثر من شكل من أشكال العنف الجنسي في الوقت ذاته، وأن بعض الانتهاكات صُورت أو وُثقت بالفيديو، بما في ذلك حالة اغتصاب واحدة.
وبحسب التقرير، فإن العنف الجنسي ضد الأسيرات الفلسطينيات شمل أساسا التهديد بالاغتصاب، والتعري القسري، واللمس غير المرغوب فيه، وعمليات تفتيش مهينة ومذلة دون مبرر.
أما الرجال والفتية، فتعرضوا للاغتصاب ومحاولات الاغتصاب والعنف الموجه إلى الأعضاء التناسلية، ما تسبب لدى خمسة ضحايا بإصابات شديدة استمرت أياما أو أسابيع، وفي بعض الحالات لم يتلقوا علاجا طبيا.
وأشار التقرير إلى آثار طويلة الأمد لهذه الانتهاكات على معتقلين أُفرج عنهم إلى قطاع غزة، وقد تفاقمت بفعل ظروف الحياة القاسية هناك.
كما أكد أن النساء والفتيات في غزة يواصلن التعرض لمخاطر متزايدة من العنف الجنسي بسبب الكارثة الإنسانية وعمليات النزوح الجماعي المتكررة.
ولفت التقرير إلى أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب هيئات أممية أخرى، وثقت بصورة متكررة افتقارا منهجيا للمساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، بما يرسخ مناخا من الإفلات من العقاب.
وتناول التقرير قضية خمسة جنود احتياط من الوحدة 100 في الجيش الإسرائيلي، قُدمت ضدهم لائحة اتهام في 19 فبراير/ شباط 2025، على خلفية اعتداء جسدي شديد وقع في معسكر "سديه تيمان" في يوليو/ تموز 2024.
وأشار إلى أنه ورغم وجود أدلة متاحة، بينها تسجيل فيديو وتقارير طبية ووصف مفصل للاعتداء، لم تتضمن لائحة الاتهام تهمة عنف جنسي أو اغتصاب، وجرى إسقاط جميع التهم في مارس/ آذار 2026، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب، ويتيح ارتكاب مزيد من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
وأكد التقرير أن "إسرائيل" لم تقدم معلومات تثبت امتثالها للتدابير المحددة المطلوبة بموجب قرار مجلس الأمن 2467، ولم تمنح حتى الآن الجهات الأممية المختصة إمكانية الوصول من أجل الرصد، في حين بقي تقديم الخدمات والمساعدات الإنسانية مقيدا بشدة.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد ذكرت أن باتن طلبت، بعد تقريرها السابق بشأن هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، إجراء زيارة ثانية إلى إسرائيل لمواصلة التحقيق، لكنها امتنعت عن ذلك بعدما رفضت السلطات الإسرائيلية طلبها الوصول إلى المنشآت التي يُحتجز فيها فلسطينيون.
وكان السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، قد استبق نشر التقرير بالكشف عن إدارج "إسرائيل" في "القائمة السوداء" التابعة للأمم المتحدة، والخاصة بالجهات المتهمة بارتكاب عنف جنسي في مناطق النزاع.
وهاجم دانون هذا القرار ووصفه بأنه "قرار سياسي منفصل عن الحقائق والواقع"، زاعما أن "تل أبيب" نقلت "أدلة ووثائق وردودا مفصلة على كل ادعاء".
وأعلن دانون ووزارة الخارجية الإسرائيلية "قطع العلاقات" مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وقالا إنهما سينتظران تعيين أمين عام جديد للمنظمة الدولية.
كما هاجم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، تقرير الأمم المتحدة الذي أدرج القوات والأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضمن قائمة الأطراف المشتبه بارتكابها انتهاكات جنسية مرتبطة بالنزاعات، معربا عن دعمه الكامل لعناصر الشرطة ومصلحة السجون.
