لم يكن عيد الأضحى مختلفًا عن أعياد العامين الماضيين بالنسبة للغزيين العالقين في الضفة الغربية؛ فلا زيارات عائلية، ولا موائد تجمع الأحبة، ولا أصوات أطفال تملأ البيوت فرحًا.
فبينما يحيي الفلسطينيون العيد وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب المستمرة على قطاع غزة، وما تمر به الضفة من عدوان واعتداءات متصاعدة، يعيش مئات الغزيين الذين حالت الحرب دون عودتهم إلى منازلهم منذ أكثر من عامين، عيدًا آخر مثقلًا بالحنين والقلق والفقد، بعدما فرقتهم الحرب عن أبنائهم وزوجاتهم وعائلاتهم، وتركتهم يترقبون نهاية فصل طويل من الانتظار.
وبينما اجتمعت العائلات حول موائد العيد، أمضى غزيون وجدوا أنفسهم عالقين في الضفة أيام العيد وهم يراقبون المسافة تكبر بينهم وبين أحبائهم، يحملون ذكريات أعياد مضت في غزة، ويواجهون حاضرًا مثقلًا بالقلق على من تركوهم خلفهم تحت وطأة الحرب.
تفاصيل لا تنسى..
في مخيم عسكر للاجئين، شرقي مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، يجلس الغزي نعيم رباح الناجي "أبو محمد" (63 عامًا) في منزله الذي استأجره بعد أن علق بالضفة، ويستعيد تفاصيل اليوم الذي غادر فيه قطاع غزة برفقة زوجته لتلقي العلاج في الضفة الغربية، وكأنه حدث بالأمس.
يقول "أبو محمد" لـ "وكالة سند للأنباء": "يمكن أن أنسى تاريخ ميلادي، لكني لا أنسى تاريخ وصولي إلى رام الله في 19 سبتمبر/ أيلول 2023".
جاء "أبو محمد" إلى الضفة بتصريح قانوني لإجراء فحوصات وعلاج ورم في القولون وتبين أنه "ورم حميد"، قبل أن تندلع الحرب بأسابيع قليلة وتغلق أمامه طريق العودة إلى غزة، لتتحول رحلة العلاج المؤقتة إلى إقامة قسرية امتدت لأكثر من عامين.
ومنذ ذلك الوقت، لم يكن الفقد بعيدًا عنه، ففي اليوم الأول من الحرب فقد "أبو محمد" ابنه الأصغر ناجي، حيث خرج في 7 أكتوبر/ تشرين الأول ولم يعد، وانقطعت أخباره ولا يزال مصيره مجهولًا حتى اليوم.
يقول بصوت يختلط فيه الصبر بالحزن: "سألنا المؤسسات الحقوقية والصليب الأحمر، لكننا لم نحصل على أي إجابة أو معلومة عن ناجي".
وبينما كان ينتظر انتهاء الحرب والعودة إلى منزله في حي الرمال بمدينة غزة، تلقى "أبو محمد" خبر استشهاد نجله الأكبر محمد، وذلك قبيل بدء الهدنة الأخيرة بساعة واحدة.
ويواجه "أبو محمد" ظروفًا معيشية صعبة في الضفة الغربية، إذ يعتمد على راتب تقاعدي محدود لا يتجاوز 1100 شيكل، ويحاول من خلاله مساعدة أبنائه وأحفاده، وخاصة أبناء نجله الشهيد.
ويضيف: "الأوضاع هنا ليست سهلة أيضًا، فالناس هنا يعيشون بضيق شديد، والأوضاع أسبه بما كانت عليه غزة من صعوبة بالعيش وكسب الرزق".
وطن واحد يخفف وطأة الغياب..
ومع حلول عيد الأضحى، عادت إليه تفاصيل الأعياد التي اعتاد قضاءها بين أفراد عائلته في غزة. يتذكر الزيارات العائلية ولمّات الأقارب والأصدقاء، ويبتسم وهو يتحدث عن أكلات المدينة التي يشتاق إليها، قبل أن يعود الحنين ليغلب كلماته.
ورغم قسوة الغربة، وجد أبو محمد بعض السند بين أقاربه وأصدقائه في مخيم عسكر بمدينة نابلس، حيث يقيم إلى جانب شقيقته. وهناك تمكن هو وزوجته من بناء علاقات اجتماعية خففت شيئًا من وطأة الغياب.
وتقول زوجته "أم محمد" إنها اعتادت الجلوس مع جاراتها في المخيم وتبادل الأحاديث والذكريات، خاصة في أيام العيد التي يشتد خلالها الحنين إلى غزة.
ورغم كل ما خسره، يتمسك أبو محمد بإيمانه بوحدة الأرض والشعب الفلسطيني، قائلًا: "لي الفخر أنني ما زلت في وطني، فالضفة وغزة وطن واحد وتراب واحد وشعب واحد، هنا لا تختلف العادات وطقوس العيد كثيرًا عن غزة".
حسرة العيد!..
وفي قصة أخرى لا تختلف كثيرًا في وجعها، يروي عامل من قطاع غزة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، كيف مرّ عليه العيد بعيدًا عن زوجته وأطفاله الذين ما زالوا داخل القطاع.
يقول بحسرة: "ما في عيد.. أقسم بالله ما في عيد. أحاول أن أقنع نفسي بالفرح، لكن لا توجد بهجة وأنا بعيد عن زوجتي وأطفالي".
يحبس دمعته ويكمل حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "أكذب على نفسي عندما أقول أني سعيد في العيد، فكيف لي أن أفرح وأنا بعيد عن أطفالي وزوجتي وأهلي.. العيد يعني الأهل والعائلة".
وكان ضيفنا، يعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948 عند اندلاع الحرب، ولم يتمكن منذ ذلك الوقت من العودة إلى غزة. وبينما كانت عائلته تعيش أهوال الحرب، كان هو يتابع أخبارهم من بعيد، عاجزًا عن حمايتهم أو حتى احتضانهم.
ويضيف: "عشت كل لحظات الحرب وقلبي معلق بهم، أخشى في كل لحظة أن يصلني خبر سيئ عن أحد أفراد عائلتي".
ومع تلاشي الآمال بعودة قريبة، اضطر إلى البحث عن مصدر رزق جديد في الضفة الغربية، فبدأ مشروعًا بسيطًا كبائع متجول يساعده على توفير بعض المال لعائلته.
ويقول: "أعمل ليل نهار حتى أتمكن من مساعدتهم. الحياة في غزة صعبة جدًا وكل شيء أصبح مكلفًا، وأحاول أن أوفر لهم ما أستطيع رغم أن الأحوال والأوضاع المعيشية هنا في الضفة أيضًا صعبة جدًا".
وبين الفقد والانتظار والحنين، مرّ عيد الأضحى على الغزيين العالقين في الضفة الغربية كحلقة جديدة من معاناة مستمرة منذ اندلاع الحرب، فيما يبقى حلم العودة إلى غزة ولمّ شمل العائلات هو الأمنية التي ترددها ألسنتهم وقلوبهم.
