عند توقيعها اتفاق "أوسلو" عام 1993، رأت منظمة التحرير الفلسطينية فيه خطوة أولى على طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، لكن على مدى ثلاثة عقود اجتهدت "إسرائيل" في إفراغ هذه الاتفاقية من مضامينها، إلى أن جاء الوقت وأصبح إلغاؤها مشروعاً مطروحاً على طاولة الحكومة الإسرائيلية.
فقد ناقشت اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع، في العاشر من مايو/ أيار 2026 الجاري، مشروع قانون يقضي بإلغاء اتفاقيات "أوسلو" وجميع التفاهمات المنبثقة عنها.
وينص مشروع القانون، الذي قدمته عضو الكنيست ليمور سون هار ميليخ من حزب "القوة اليهودية" بزعامة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، على اعتبار جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية غير ملزمة لـ"إسرائيل" أو لأي جهة تمثلها.
كما ينص على إلغاء التشريعات التي كانت تهدف إلى تنفيذ اتفاقيات "أوسلو"، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل توقيع هذه الاتفاقيات.
ويعني ذلك إعادة الوضع القانوني والأمني في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل عام 1993، أي التعامل معها كمناطق تخضع للحكم العسكري الإسرائيلي المباشر.
إعادة صياغة الواقع..
ويرى مختصون أن إلغاء "إسرائيل" لاتفاقات "أوسلو"، إن تم، لن يمثل نهاية لحقبة سياسية بدأت عام 1993 فقط، بل سيعيد صياغة الواقع الأمني والقانوني في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بما يهدد الوجود الفلسطيني المؤسسي والديمغرافي.
واتفاقية أوسلو، التي تُعرف رسمياً بـ "إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي"، وُقعت في البيت الأبيض بواشنطن عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية و"إسرائيل"، وكان الهدف منها إنهاء الصراع عبر مرحلة انتقالية مدتها خمسة أعوام، تمهيداً لقيام دولة فلسطينية.
وكان من أهم نتائج هذه الاتفاقية تأسيس السلطة الفلسطينية، ثم جاء اتفاق "أوسلو 2" في عام 1995، والذي قسم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: (أ) و(ب) و(ج).
إشكاليات قانونية وسياسية
ويقول أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، رائد أبو بدوية، إنه من الناحية القانونية، فإن اتفاقات "أوسلو" ما زالت قائمة رسمياً وملزمة للطرفين، رغم الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية الواسعة خلال العقود الماضية.
ويبين أبو بدوية لـ "وكالة سند للأنباء" أن أي خطوة أحادية لإلغاء "أوسلو" ستثير إشكاليات قانونية وسياسية كبيرة، لأن الاتفاق ما زال يشكل الإطار الناظم للعلاقة بين الطرفين، كما أن جزءاً كبيراً من البنية الإدارية والأمنية والاقتصادية القائمة اليوم يستند إليه.
ويؤكد أن إنهاء الاتفاق لا يعفي "إسرائيل" من التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بل قد يعيد تحميلها -بصورة أوضح- مسؤولياتها كقوة احتلال وفق اتفاقية جنيف الرابعة.
ويدعو أبو بدوية إلى ضرورة قراءة الطرح الإسرائيلي الحالي في سياقه السياسي الداخلي والإقليمي، ويرى أن إثارة "إلغاء أوسلو" تأتي في لحظة سياسية إسرائيلية حساسة، مع اقتراب الانتخابات العامة، وتصاعد قوة اليمين، ووجود بيئة إقليمية ودولية تنظر إليها "إسرائيل" باعتبارها أكثر ملاءمة لسياساتها الحالية.
ويضيف: "يبدو أن جزءاً مهماً من هذا الطرح يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية ومزايدات انتخابية داخل معسكر اليمين، حتى لو لم يصل الأمر إلى تنفيذ كامل وفوري".
وضع مريح لـ "إسرائيل"
ويوضح "ضيف سند"، أن "إسرائيل" ما زالت تستفيد عملياً من بقاء الوضع الحالي، حيث لا يزال "أوسلو" قائماً، لأنه يمنحها إمكانية ممارسة سيطرة فعلية واسعة على الأرض، مع تقليل الكلفة المباشرة للاحتلال.
ويقول: "لا يبدو حتى الآن أن إسرائيل تتجه نحو تفكيك كامل وفوري لاتفاق أوسلو أو إسقاط السلطة الفلسطينية دفعة واحدة، لأن ذلك قد يرتب عليها كلفة مرتفعة سياسياً وأمنياً واقتصادياً ودبلوماسياً".
ويعتبر أن "إسرائيل" تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى نموذج "السيطرة دون الضم الكامل"، والذي يمنحها السيطرة الأمنية الشاملة، والتحكم بالمعابر، وتوسيع الاستيطان، وإبقاء الفلسطينيين تحت إدارة مدنية فلسطينية تتولى شؤونهم اليومية.
ولهذا، فالسيناريو الأقرب قد يكون استمرار السياسة الحالية القائمة على إبقاء السلطة الفلسطينية ولكن بصورة أضعف، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية الفعلية، وتقليص الهامش السياسي الفلسطيني، وتكريس واقع "الضم الزاحف" دون إعلان قانوني شامل.
كلفة باهظة..
لكن في المقابل، إذا ما ذهبت "إسرائيل" فعلاً نحو إلغاء "أوسلو" نهائياً، فمن غير المرجح أن تعود إلى إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين بصورة مباشرة وشاملة، بسبب الكلفة الباهظة لذلك، وسيبقى أي تصور إسرائيلي مستقبلي قائماً على الإبقاء على شكل من أشكال "الحكم المدني الفلسطيني للسكان"، وفق أبو بدوية.
وهنا، يمكن تصوّر مسارين رئيسيين؛ الأول يقوم على إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية وظيفياً، لتتحول بصورة أكبر إلى جسم إداري وخدماتي محدود الصلاحيات، يركز على إدارة الشؤون المدنية للسكان، بينما تبقى السيطرة الأمنية والسيادية والقانونية الفعلية بيد "إسرائيل".
أما المسار الثاني؛ فهو محاولة "استنبات" أو رعاية قيادات وهياكل فلسطينية محلية بديلة، سواء مناطقية أو اقتصادية أو عشائرية، لتتولى إدارة الشؤون الحياتية للسكان ضمن ترتيبات مرتبطة أمنياً واقتصادياً بـ"إسرائيل"، دون منحها مضموناً سيادياً أو تمثيلياً وطنياً حقيقياً.
ويلفت أبو بدوية إلى أن السيناريو الثاني يواجه تحديات كبيرة، لأن أي بنية فلسطينية بديلة ستظل مرتبطة بسؤال الشرعية والقبول الشعبي.
ويقول: "التجارب التاريخية أظهرت أن إنتاج قيادة محلية مرتبطة بالكامل بإرادة القوة القائمة بالاحتلال يبقى محدود الاستقرار وقابلاً للاهتزاز سياسياً ومجتمعياً".
ويخلص ضيفنا إلى أن النقاش الإسرائيلي الحالي قد يكون أقرب إلى إعادة تعريف وظيفة "أوسلو" والسلطة الفلسطينية بما ينسجم مع مشروع السيطرة الإسرائيلية طويلة المدى، أكثر من كونه توجهاً فورياً نحو إلغاء كامل ونهائي للاتفاق بكل تبعاته.
"إسرائيل" أنهت "أوسلو" عملياً
ولا يبتعد المحلل السياسي سليمان بشارات عما توجه إليه "أبو بدوية"، فهو يرى أن "إسرائيل" أنهت، من الناحية العملية والتطبيقية، كل أشكال التعامل بـ"أوسلو"، وهي تتعامل وكأن الاتفاقية لم تعد قائمة على أرض الواقع.
ويبين بشارات لـ "وكالة سند للأنباء" أن ما أبقت عليه "إسرائيل" من إطار "أوسلو" هو المسمى وما يرتبط بالالتزامات الفلسطينية فقط، فلم تعد تلزم نفسها بأي من الاستحقاقات التي كان يجب أن تذهب إلى تنفيذها في إطار اتفاقية أوسلو وتبعاتها.
مشروع قانون سياسي
ويرى بشارات أن طرح المشروع سياسي بالدرجة الأولى، ويعتقد أنه محاولة لاستثمار هذا الخطاب ضمن الحالة اليمينية المتطرفة في الداخل الإسرائيلي، خصوصاً وأن طرحه تزامن مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية.
ويوضح أن الأطراف التي تزج بهذا المشروع تحاول مغازلة شريحة من الشارع اليميني الذي يؤيد هذا التوجه.
ويرجح "ضيف سند" أن إنهاء "أوسلو" لا يمكن أن يمرر إسرائيلياً، لأن الأمر ليس مرتبطاً بالقرار الإسرائيلي فقط، وإنما بقرار من الولايات المتحدة التي -حتى هذه اللحظة- لا تزال ترى فيه مظلة أساسية تعطي لـ "إسرائيل" أريحية في تنفيذ رؤاها وتحقيق أحلامها المتمثلة في الهيمنة والسيطرة وإعادة هندسة الواقع السياسي والجغرافي والديموغرافي الفلسطيني.
ويشرح بأن "أوسلو" اتخذت لإعطاء مظلة تشرع من خلالها الولايات المتحدة السلوك والممارسات الإسرائيلية على الأرض، ما يعني أن إنهاء "أوسلو" بقانون يسنّه الكنيست، لن يكون ذا جدوى ما لم يكن هناك توافقاً ورغبة أمريكية في تحقيق ذلك.
ويلفت إلى أن إنهاء "أوسلو" يعني تحمل الاحتلال الإسرائيلي لكل تبعات الحياة اليومية الفلسطينية، وهذا ما لا ترغب فيه "إسرائيل" ولا تريده في هذا التوقيت بالتحديد.
فإلغاء الاتفاقية الآن لا يحمل "إسرائيل" فقط مسؤولية كاملة وفقاً للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية، وإنما أيضاً يثقل العبء عليها في الوقت الذي تريد هي أن تتحلل من هذه الأعباء لتتفرغ للمشروع الاستيطاني بشكل كامل.
وهذا ما يدفع ضيفنا للاعتقاد بأن مسألة إنهاء السلطة الفلسطينية ليست ضمن المطروح الآن في الوعي السياسي الإسرائيلي أو الأمريكي.
وإنما ما يتم العمل عليه حالياً هو إضعاف كامل لكل مقومات السلطة الفلسطينية، لتحويلها من مظلة سياسية يمكن أن تؤسس لإقامة دولة فلسطينية، إلى إدارات محلية تقدم الخدمات وتشرف على الحياة اليومية والأمور الخدماتية، وهذا يزيح العبء عن كاهل الاحتلال الإسرائيلي.
ويخلص بشارات إلى أن إنهاء "أوسلو" يعطي شرعية كاملة لجهود مواجهة المشروع الاستيطاني، ليس فقط فلسطينياً وإنما عالمياً ودولياً.
في حين أن "إسرائيل" لا تريد أن تذهب -في هذا التوقيت- لكشف الغطاء ونزع الشرعية عن الاستيطان، بل على العكس من ذلك، هي تريد أن تعزز هذا الغطاء، وهذا هو ربما ما ترغب به إسرائيل بشكل أو بآخر.
