قلّصت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المناطق الواقعة ضمن ما يعرف بـ "الخط الأصفر" في قطاع غزة المساحات المتاحة للسكان بصورة غير مسبوقة، ما فاقم الأزمة الإنسانية وأوجد تحديات هائلة أمام توفير الخدمات الأساسية ومقومات الحياة.
ويمتد هذا الخط بعمق يتراوح بين كيلومترين إلى 7 كيلومترات على طول القطاع. ويبدأ من جنوب شمال غزة مرورا بالمنطقة الوسطى وصولاً لأطراف رفح.
وتشمل المناطق الواقعة خلف "الخط الأصفر": بيت حانون، وبيت لاهيا، وأحياء شرق غزة (الشجاعية، التفاح، الزيتون)، وشرق خان يونس، وأجزاء من رفح.
65% من إجمالي مساحة قطاع غزة..
من جانبه، أفاد محمد المغير؛ مدير إدارة الدعم الإنساني والتعاون الدولي في الدفاع المدني الفلسطيني، في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء" اليوم الإثنين، بأن المناطق الواقعة ضمن "الخط الأصفر" تمثل نحو 65% من إجمالي مساحة قطاع غزة.
وأردف المغير: "لم يتبق للسكان سوى 35% فقط من مساحة القطاع، وهي مساحة غير كافية لتلبية احتياجات المواطنين من المياه والبنية التحتية والمنشآت العامة والطرق ومناطق الإيواء".
وأضاف أن المساحات الفعلية الصالحة للاستخدام ضمن المناطق المتبقية تقل كثيراً عن النسبة المعلنة، إذ تشغل الشوارع ومرافق الخدمات والركام مساحات واسعة منها.
واستدرك: "في حين لا تتجاوز المساحة السكنية الفعلية في قطاع غزة نحو 10% من إجمالي مساحة القطاع، الأمر الذي أدى إلى تركز السكان في مناطق ضيقة تشهد أعلى معدلات الكثافة السكانية".
ونبه إلى أن نحو مليون و800 ألف فلسطيني ما زالوا مشردين من منازلهم ويعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل محدودية أماكن الإيواء واستمرار تدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية.
يُفاقم أزمة غزة ويُعيق الإغاثة..
واستطرد المغير: "المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال ضمن الخط الأصفر لم تكن مجرد أراضٍ فارغة، بل كانت تضم مساحات زراعية واسعة ومناطق سكنية وصناعية وتجارية، إضافة إلى مراكز للحرف والصناعات المختلفة والحرف اليدوية التي كانت تشكل مصدراً رئيسياً للدخل وفرص العمل لآلاف الأسر الفلسطينية".
وحذر من أن استمرار منع المواطنين من الوصول إلى هذه المناطق يفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية، ويحرم القطاع من جزء كبير من موارده الإنتاجية والزراعية والخدمية؛ "الأمر الذي يزيد من صعوبة الاستجابة لاحتياجات السكان في ظل استمرار النزوح الواسع وتراجع الإمكانات المتاحة".
واعتبر أن استمرار السيطرة على هذه المساحات الواسعة من أراضي القطاع "يعيق بشكل مباشر" جهود الإغاثة الإنسانية وإقامة مراكز إيواء جديدة للنازحين، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات اليومية للسكان مع تواصل تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية.
فقدان المناطق الزراعية..
وأدى فقدان المناطق الزراعية، وفقًا لـ "ضيف سند"، إلى تراجع كبير في الإنتاج الغذائي المحلي، ما زاد من اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية في ظل النقص الحاد في المواد الغذائية وارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي بين الأسر الفلسطينية.
وتسبب حرمان المواطنين من الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم بخسائر اقتصادية واسعة طالت مختلف القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك الزراعة والصناعة والتجارة والحرف المهنية، الأمر الذي فاقم معدلات الفقر والبطالة وأضعف قدرة العائلات على توفير احتياجاتها الأساسية، وفقًا لـ "المغير".
ودعا المسؤول بالدفاع المدني، المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية والأممية إلى التحرك العاجل للضغط من أجل ضمان وصول المدنيين إلى مناطقهم وأراضيهم، وتوفير الحماية للسكان.
وطالب بـ "تهيئة" الظروف اللازمة لعودة النازحين إلى مناطق سكنهم. محذراً من أن استمرار الواقع الحالي ينذر بتفاقم الكارثة الإنسانية ويدفع قطاع غزة نحو مزيد من التدهور على المستويات الإنسانية.
وبحسب وزارة الزراعة، فقد أدى ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" الذي فرضه الاحتلال داخل قطاع غزة إلى ابتلاع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق الشرقية والشمالية التي تعد السلة الزراعية الأساسية للقطاع، وهو ما تسبب بكارثة مباشرة للمزارعين وللإنتاج الغذائي المحلي.
ماهية الخط الأصفر..
و"الخط الأصفر" في قطاع غزة هو خط تقسيم عسكري وافتراضي يُحدد حدود تراجع قوات الاحتلال ومناطق تمركزها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في أكتوبر 2025.
ويهدف هذا الخط ميدانياً إلى عزل وتفريق مناطق السيطرة، وتحويل مساحات واسعة من القطاع إلى مناطق عسكرية مغلقة.
ويعزل هذا الخط خلفه ما بين 53% إلى 58% من مساحة قطاع غزة (المنطقة الشرقية والشمالية وأجزاء من الجنوب)، حيث تخضع هذه المساحة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، بينما تتركز الكثافة السكانية الفلسطينية في المنطقة الغربية المتبقية.
وقد كان من المفترض أن يكون "الخط الأصفر" الذي تم الاتفاق عليه في وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 "مؤقتًا" في انتظار المزيد من الانسحابات الإسرائيلية، لكن الهدنة توقفت بعد مرحلتها الأولى وسط استمرار القصف الإسرائيلي لغزة.
ومنذ ذلك الحين، زحف "الخط الأصفر" إلى الأمام في عدة مواقع، موسعًا بذلك المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش إلى ما هو أبعد بكثير من نسبة الـ 53% من أراضي غزة التي كانت مُشارًا إليها في خرائط وقف إطلاق النار الأصلية.
