موتٌ في أحضانها .. حلم أبو دياك الذي لم يتحقق

حجم الخط
رام الله - وكالة سند للأنباء

ضمر الجسد، وأكل الوهن عظامه، شابت الروح ألماً وحزناً، لكن أملاً وحيداً كان يحفل به قلبه في آخر سويعاته في الحياة " أنْ موتاً في أحضان أمي"، حقٌ طالب به كثيرا، والموت يُحاصر عمره من كل جانب، لكنه كان أصعب من أن يتحقق، وهو يقبع بين أيادٍ سوداء تتلذذ برؤيته يرحل وحيداً، مبتور القلب.

صباحاً، توشحت فلسطين بالسواد، حينما أُعلن عن رحيل الأسير سامي أبو دياك، غادرت روحه أسيرةً، لكن حزناً عميقاً لم يغادر قلب أمه التي ما فتأت تناشد كل يومٍ بأن يطلقوا سراح فلذة كبدها، كي يرحل مطمئناً في أحضانها.

قبل أيامٍ قليلة، استطاعت والدة أبو دياك وأفراد من عائلته زيارته في سجنه، لقاءٌ لم يدم طويلاً، ربعُ ساعةٍ كانت كفيلة بأن يهبط الحزن على قلوبهم جميعاً، حينما لم يستطيعوا أن يسمعوا صوت حبيبهم سامي، أو تتلاقى نظراتهم معاً.

مسجى على فراشه، متكورٌ على نفسه، فاقدٌ للوعي، لا يعرفُ من حوله، لكن ذلك كله لم يكن ليشفع له الخروج من سجنه، بعد 17 عاماً قضاها بين ظلمة السجّان وعتمة الأسر، كي يحقق أمنيةٍ بسيطة وهي الموت دون أن تكبل يداه وقدميه، وأن يكون آخر عهده بالحياة رائحة أمه.

كانَ يعلم أبو دياك أن ساعاتٍ قليلة هي رصيده في هذه الحياة، وأن احتلالاً قذراً وظالماً، لن ترف له عين الرحمة ليتركه يحقق ما يريد في آخر لحظاته، فكتب كلماته الأخير بوجعٍ ينهش فؤاده.

"أنا أعاني من مرض السرطان، وحسب التقارير الطبية الإسرائيلية لم يتبق لي إلا أياماً معدودة بالحياة، أريد أن أكون في هذه الأيام عند والدتي، وأتوفى في حضن والدتي، وليس في مقابر الأرقام".

"هذه المناشدة كانت مناشدتي أنا ورفيق معاناتي في الأسر والمرض، الشهيد بسام السايح، قبل يوم واحد، ولكنه فارق الحياة شهيداً إلى ربه، وإذا لم تلق مناشدتي آذاناً صاغية، سوف أكون عند أخي ورفيق معاناتي الشهيد بسام السايح في مقابر الأرقام".

76905953_407269843486471_1539713524706574336_n.jpg
 

أعوامٌ من القهر عاشها أبو دياك (36 عاماً)، حينما اعتقله الاحتلال في 17 تموز / يوليو عام 2002م، بتهمة مقاومة الاحتلال، تعرض خلالها لكل أنواع التعذيب والتنكيل.

السجن المؤبد ثلاث مرات، وثلاثون عاماً، حكم الاحتلال على أبو دياك، حكم لا يستطيع العقل والمنطق تصديقه، لكن طغيان السجان ودولته، يفعلانه.

لم يكن موت أبو دياك وليد لحظته، فمنذ أن كُتب عليه الأسر تعمدت إدارة السجون الإسرائيلية الانتقام منه، بإهماله الطبي المتعمد، إمعاناً في تعذيبه، ليتعرض في عام 2015 إلى خطأ طبي، بعد إجراءه لعملية جراحية بمستشفى "سوروكا" الإسرائيلي.

استئصال جزء من أمعائه، وتسمم في جسده وفشل كلوي ورئوي، وثلاث عمليات جراحية، كانت آثار الخطأ الطبي الذي عايشه أبو دياك، لم يتوقف الأمر هنا، ليبقى تحت تأثير المخدر لشهرٍ كامل، ليكتشف لاحقاً، أنه مصاب بمرض "السرطان".

ألم المرض والسجن، كانا علقماً يتجرعهما الأسير أبو دياك في كل لحظة، قاومهما لسنواتٍ طويلة، لكنهما نهشا جسده وأعلنا لحظةً لانتهاء عالمه، في معتقل "عيادة الرملة" أو ما يسميه الأسرى بـ"المسلخ".

رحل بسام السايح من قبل أبو دياك، لكن رفقاء كثر يقبعون في سجون الاحتلال، يصارعون المرض والأسر، وتتكالب عليهم ظروف الحياة الصعبة، بلا رعاية ولا أدنى مقومات الحياة الآدمية، يتعرضون خلالها للموتٍ البطيء، فهل سنشهد رحيلاً آخراً وقلب أم آخر ينفطر؟!