بين ركام المنازل وتحت سماء خان يونس الملبدة بطائرات الموت، كان الشاب مهند فروانة يظن أنه استطاع المواربة بقلبه لينتزع ليلة فرح واحدة من بين أنياب الحرب. جهّز كل شيء، ونصب خيمته فوق سطح منزله المدمّر جزئياً لتكون عشاً لزوجيته المرتقبة، ودعا الأحبة لليلة "الحناء"، لكن صواريخ الاحتلال كانت أسرع من زغاريد أمه يوم زفاقه.
وفجر اليوم السبت، استشهد الشاب مُهند عثمان فروانة (25 عامًا)، بقصف إسرائيلي جوي لمنزل عائلته في وسط مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة. وكان من المقرر أن يُزف الشهيد مُهند إلى عروسه اليوم؛ قبل أن يقتل صاروخ إسرائيلي الفرحة من عائلة فروانة بقصف منزلها في ساعات الفجر الأولى.
ليلة الحناء التي تحولت لمأتم
من فوق سرير الاستشفاء، ويدها ملفوفة بالضمادات البيضاء بعد إصابتها في الغارة الإسرائيلية، تروي خالته في مقابلة صحفية قصيرة تابعتها "وكالة سند للأنباء"، والدموع تحفر مجاريها في وجهها المتعب تفاصيل الفاجعة: "ابن أختي عريس.. كانت حنّته الليلة.. هو في الطابق اللي فوق نايم بخيمة، وإحنا تحت، وصحينا على فاجعة الاستهداف والاستشهاد".
تتوقف الخالة، تلتقط أنفاساً مثقلة بالوجع، ثم تتابع وعيناها تائهتان في ملكوت الفقد: "صحيت على حالي وأنا إيدي بتشُر (تنزف) دم، والنار مولعة في المكان، وما بعرف بعدها شو صار.. طلعوني في الإسعاف وجابوا الولد، إلا هو محروق.. محروق كله.. كله مهند ابن أختي.. أنا كنت جاية فرحانة لعرسه".
كان مهند، كأي شاب غزيّ، يصارع العدم ليصنع حياة؛ أمضى ليلته الأخيرة يؤدي صلاته قبل أن يباغته القصف. تستذكر الخالة بمرارة تلك اللحظات الأخيرة قائلة: "عُرسه اليوم يا إخوتي.. صلى العشا ونزل، بيقولوا هم فاتحين السماعات ومهند لسه بيصلي، نزل تحت بعد ما صلى، وبعدين رجع طلع فوق.. والحمد لله على كل حال".
كرت الفرح.. ميعادٌ للوداع!
كان من المفترض أن يزف مهند عريسا عصر اليوم، دُعي الأحبة لمشاركتهم "ليلة العمر"، وخُتم كرت الفرح بعبارة دافئة: "حضوركم يشرفنا وتكتمل به فرحتنا"؛ لكن غارة طائرات الاحتلال عند الفجر كانت أسرع من موعد الحفل، ليرتقي مهند شهيداً في ذات اليوم المحدد لزفافه.

بدلة معلّقة وورود وسط الرماد
المشهد فوق السطح المدمّر يختزل تفاصيل الجريمة، يحمل أحد الشبان بدلة زفاف مهند السوداء وقميصه الأبيض مع ربطة عنق حمراء، وقد كستها ذرات الغبار والرماد بعد أن انتشلها من بين الأنقاض، بدلة كان يفترض أن يرتديها مهند قبل ساعات ليزف عريساً، فصارت شاهداً على فرحة لم تكتمل.
وعلى مسافة قريبة من البدلة المحترقة، في لقطة حزينة، تناثرت ورود الفرح الحمراء والبيضاء التي كان يجهزها العريس لتزيين خيمته وسريره، وباتت منسية فوق الأخشاب المتفحمة والركام، تتقاسم السواد مع بقايا أوراق ممزقة ورماد الانفجار.
لقد رحل مهند؛ ترك خلفه خيمة محترقة، وعروساً يكسر الحزن قلبها، وبدلة عرس معلقة على حافة الرماد. غاب العريس، وبقيت كلماته وصلاته الأخيرة ووروده المنثورة على الركام شاهدة على جيلٍ كامل يُغتال فرحه على أعتاب الزفاف، ليُزفّوا إلى السماء عرساناً شهداء.


