لم يعد الفقر في قطاع غزة مجرد أزمة معيشية مرتبطة بانخفاض الدخل أو محدودية فرص العمل، بل تحول، مع استمرار الحرب وتداعياتها الكارثية، إلى واقع اقتصادي واجتماعي شامل يطاول معظم السكان.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية الراهنة عن تحولات عميقة دفعت المجتمع الغزي إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها اقتصاد البقاء، حيث باتت الغالبية الساحقة من الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها الأساسية، في وقت تراجعت فيه فرص العمل والإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة.
اتساع دائرة الفقر
ويقول الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تصريح تابعته "وكالة سند للأنباء"، إن الفقر في قطاع غزة كان قبل الحرب أزمة مزمنة.
وأشار "أبو قمر" إلى أن الفقر تحول إلى حالة اقتصادية عامة تمس تقريبًا كل بيت وخيمة، موضحًا أن حجم التحول البنيوي الذي أصاب المجتمع والاقتصاد يمكن قراءته من خلال الأرقام والمؤشرات الحالية.
ووفق أبو قمر، تشير التقديرات الدولية إلى أن معدلات الفقر تجاوزت 90% من سكان القطاع، فيما تخطت معدلات البطالة حاجز 80%، لتسجل غزة واحدة من أعلى نسب البطالة على مستوى العالم.
ويضيف أن أكثر من 95% من الأسر الفلسطينية أصبحت تعتمد بصورة أساسية على المساعدات الإنسانية لتوفير احتياجاتها اليومية.
ويشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بأكثر من 80% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
الفقر المركب
ويرى أبو قمر أن هذه الأرقام لا تعكس أزمة دخل فحسب، بل تكشف عن نشوء نمط جديد من الفقر المركب، حيث يتزامن فقدان فرص العمل مع استنزاف المدخرات وانعدام السيولة النقدية وتراجع القدرة على الوصول إلى الغذاء والمياه والسكن الآمن.
ويؤكد أن تدمير الأصول الإنتاجية وتعطل الأسواق المحلية دفعا آلاف الأسر إلى استهلاك ما تبقى لديها من موارد محدودة دون امتلاك أي قدرة فعلية على تعويضها أو إعادة إنتاج مصادر دخلها في المستقبل القريب.
ويحذر الباحث الاقتصادي من أن فقدان الاقتصاد لأكثر من 80% من إنتاجه، إلى جانب فقدان أربعة من كل خمسة أفراد لفرص العمل، لا يعكس حالة ركود مؤقتة، بل يشير إلى انهيار هيكلي واسع النطاق يحتاج إلى سنوات طويلة من أجل التعافي وإعادة البناء.
ويشدد على أن التحدي لم يعد يقتصر على توفير المساعدات الإنسانية والإغاثية، بل بات يتمثل في إعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة وخلق فرص عمل مستدامة تعيد للأسر قدرتها على الإنتاج والاستقلال المالي.
تنامي الاحتكار
وفي موازاة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، تشهد أسواق قطاع غزة حالة اضطراب متصاعدة نتيجة ضعف الرقابة على حركة البضائع، الأمر الذي أسهم في تنامي مظاهر الاحتكار والانفلات السعري، إلى جانب تصاعد المخاوف من دخول منتجات غذائية لا تستوفي معايير السلامة والجودة المطلوبة.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن عدم تمكين الجهات الحكومية المختصة من الإشراف المباشر على المعابر أدى إلى تسرب كميات من البضائع إلى أيدي عدد محدود من التجار والوسطاء، ما عزز نشاط السوق السوداء وأضعف قدرة الجهات الرقابية على ضبط الأسواق والأسعار.
ورُصدت حالات تلاعب بالأوزان والموازين في بعض الأسواق، نتيجة تعذر تنفيذ عمليات الفحص والمعايرة الدورية بسبب الظروف الأمنية والإدارية السائدة.
