أعاد إعلان معهد الهيكل اليهودي ولادة بقرة حمراء جديدة في الجليل المحتل إلى واجهة المشهد الديني والسياسي المرتبط بالمسجد الأقصى المبارك، وسط احتفاء واسع من جماعات الهيكل المتطرفة التي اعتبرت الحدث إشارة إلهية تمهد لاستكمال طقوس "التطهر" التوراتية اللازمة، بحسب معتقداتها، لاقتحام المسجد الأقصى وتوسيع الحضور اليهودي فيه تمهيداً لإقامة الهيكل الثالث المزعوم.
ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد غير مسبوق للدعوات الإسرائيلية المطالبة بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وإقامة كنيس يهودي داخله، بالتزامن مع إجراءات ميدانية تستهدف تكريس السيطرة الإسرائيلية على المسجد.
بقرة جديدة
وأعلن "معهد الهيكل" اليهودي ولادة بقرة حمراء في إحدى مزارع الأبقار المخصصة لإنتاج الحليب في منطقة الجليل شمالي فلسطين المحتلة، مؤكداً أنها تطابق المواصفات التوراتية المطلوبة لأداء طقس "التطهر".
وقال الباحث المختص في شؤون القدس، عبد الله معروف، إن المعهد افتتح إعلانه بالقول إن ولادة البقرة جاءت في ظل الحرب الدائرة على الجبهة الشمالية، واعتبر ذلك "إشارة إلهية".
وأشار معروف، إلى أن الأسطورة التوراتية تشترط أن تكون البقرة الحمراء معجزة إلهية يتحقق لونها دون أي تدخل بشري.
وأوضح أن أهمية هذه البقرة تكمن في كونها وُلدت داخل فلسطين المحتلة، بخلاف البقرات الخمس التي جرى استيرادها من ولاية تكساس الأميركية عام 2022.
وكانت هناك اعتراضات حاخامية على تلك البقرات بسبب ولادتها خارج ما يسمى "أرض إسرائيل" وفق المفهوم التوراتي، وهو ما اعتبره بعض الحاخامات سبباً يمنع استيفاءها الشروط الكاملة المطلوبة لطقس التطهر.
من طقس التطهر إلى اقتحام الأقصى
ويمثل ظهور "البقرة الحمراء" أهمية استثنائية لدى جماعات الهيكل، التي تعتقد أن رمادها المستخدم في طقوس التطهر يرفع ما يسمى "نجاسة الموتى" عن اليهود، ويتيح لهم دخول منطقة المسجد الأقصى التي يطلقون عليها اسم "جبل الهيكل".
وبحسب المعتقدات الدينية التي تتبناها هذه الجماعات، فإن أداء طقس التطهر يشكل خطوة أساسية قبل توسيع اقتحامات المسجد الأقصى، وصولاً إلى هدمه وإقامة "الهيكل الثالث" المزعوم مكانه، باعتباره مقدمة لظهور "المسيح المخلص" وتحقيق الخلاص للشعب اليهودي.
وأشار معروف إلى أن منظمات الهيكل تنظر إلى العثور على بقرة حمراء محلية باعتباره المتطلب الأهم لزيادة أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى.
ويعتبر الرأي الحاخامي التقليدي أن التطهر من "نجاسة الموتى" شرطاً مسبقاً لدخول المكان، الأمر الذي يفسر بقاء أعداد كبيرة من المستوطنين خارج دائرة المشاركة المباشرة في الاقتحامات رغم تنامي التأييد الشعبي اليميني لمشاريع تهويد المسجد.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، خصص "معهد الهيكل" منذ عام 1986 برنامجاً خاصاً للبحث عن "البقرة الحمراء"، وأعلن خلال العقود الماضية أكثر من خمس مرات العثور على بقرات مرشحة، إلا أن جميعها فقدت إحدى الصفات المطلوبة قبل بلوغها السن اللازمة لإجراء الطقوس.
وتشترط النصوص الدينية اليهودية أن تكون البقرة قد تجاوزت عامين من العمر، وأن يكون لونها أحمر خالصاً بالكامل دون أي شعرة مختلفة اللون، وألا تكون قد تعرضت لجرح أو نقص، أو سبق لها الولادة أو الحلب أو الحرث أو ربط الحبال عليها.
وأنشأ المعهد مؤسسة خاصة تحمل اسم "المعهد القومي للبقرة الحمراء" تتولى مهمة البحث عن الأبقار المطابقة للمواصفات المطلوبة ورعايتها والإشراف على برامج التكاثر الخاصة بها.
وتشير الروايات اليهودية إلى أن طقس "البقرة الحمراء" لم يؤدَّ سوى تسع مرات فقط عبر التاريخ اليهودي، وكانت آخر مرة قبل ما يقارب ألفي عام.
ويستند أصل هذه الشعيرة إلى نصوص واردة في الإصحاح التاسع عشر من سفر العدد المنسوب إلى النبي موسى عليه السلام.
حملة متصاعدة لبناء كنيس داخل الأقصى
ويتزامن الإعلان عن ولادة البقرة الحمراء مع تصاعد دعوات علنية من شخصيات دينية وسياسية إسرائيلية لإحداث تغييرات جوهرية في المسجد الأقصى.
ويقود حاخام مدينة صفد المحتلة شموئيل إلياهو حملة مكثفة للدعوة إلى بناء كنيس يهودي داخل المسجد الأقصى.
ويعتبر إلياهو، أن الوقت قد حان للشروع بهذه الخطوة، ومطالباً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزراء حكومته بالمبادرة إلى تنفيذها.
وبدأ الحاخام حملته بمقطع مصور أمام قبة الصخرة خلال ما يسمى "الاقتحام التعويضي" لذكرى احتلال القدس في 14 أيار/مايو 2026.
وسبق نشر المقطع المصور دعوة إلياهو لبناء الكنيس في خطاب علني مطلع حزيران/يونيو الجاري، ثم في مقال نشرته صحيفة "ماكور ريشون"، وصولاً إلى ظهوره المشترك مع وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في فعالية عامة بتاريخ 10 حزيران/يونيو.
وخلال تلك الفعالية، كرر إلياهو دعوته إلى إقامة كنيس داخل المسجد الأقصى باعتباره "نقطة البداية لبناء الهيكل"، فيما تفاخر بن غفير بالتغييرات التي قال إنها طرأت على واقع المسجد.
وتحدث عن السماح بالصلوات والسجود والرقصات والأغاني الدينية اليهودية داخله، قبل أن يضيف مخاطباً الحاخام: "وقريباً كنيس".
واستحضر إلياهو ما قال إنها رسائل كتبها والده الحاخام الراحل موردخاي إلياهو بشأن "تأسيس الهيكل"، معتبراً أن ما كان يبدو حلماً بعيد المنال أصبح اليوم أقرب إلى الواقع.
