الساعة 00:00 م
الأحد 16 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4 جنيه إسترليني
4.17 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.42 يورو
2.96 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

إسبانيا تدعو لوقف "عنف" المستوطنين بالضفة

"وصلة أمل".. حين يهزم عناد غزة محاولات تجهيل جيل المستقبل

"غزة مُبـاشـر".. إصابات بمواصلة قوات الاحتلال خرق الهدنة

مدعومًا بمعطيات رقمية حصرية..

بالفيديو والصور "وصلة أمل".. حين يهزم عناد غزة محاولات تجهيل جيل المستقبل

حجم الخط
المبادرات التعليمية
غزة - آلاء المقيد - وكالة سند للأنباء

يخطو الطفل نحو النقطة التعليمية بلباس بيتيٍّ استبدل به زيّه المدرسيّ المفقود، وعلى كفّيه أثر حاد تركته مقابض "قِرَب" المياه (القارورات البلاستيكية) التي أمضى الصباح في حملها وسحبها لتأمين احتياجات عائلته اليومية.

يضع عناء الانتظار جانبًا، ويصل بجهدٍ أرهقه المشي بين أنقاض البنايات المهدّمة وركام الشوارع ومن فوقه الشمس الحارقة، قاطعًا مسافات ليحتضن خيمةً قريبةً تُعيد إليه شيئًا من مظاهر حياته السابقة.

في هذه المساحات البديلة المقامة من الشوادر والأخشاب، تتجاوز المبادرات التعليمية في قطاع غزة فكرة ملء الفراغ، لتغدو شبكة أمانٍ أهليّة تحمي أطفال غزة من الانزلاق نحو التجهيل واتساع رقعة الأمية، وتحدّ من الفاقد المعرفي والنفسي التراكمي.

 ورغم افتقار غالبية هذه النقاط لأبسط المقومات البنيوية من مقاعد خشبيّة، أو سبورات وقرطاسية تكفي الأعداد المتدفقة، فقد نبتت هذه التجمعات بجهودٍ فردية حثيثة، قبل أن تنتظم وتتوسع لتُشكّل نواةً حية لترميم الجسد التربويّ المنهك.

وفي قلب غزة المكلومة، رصدت مراسلة "وكالة سند للأنباء" خلال جولة ميدانية غرب المدينة نبض الحياة في مبادرة "وصلة أمل" التعليمية؛ حيث انخرط الأطفال في مخيم صيفي يضمد الصدمات المتتابعة عبر أنشطة الترويح والدعم النفسي والتثقيف الصحي، ممهدين أذهانهم للعودة إلى مقاعد الدراسة.

مبادرة وصلة أمل 4.jpg
 

من خيمة المواصي إلى شمال غزة.. "وصلة أمل"

لم تكن الصحفية فاطمة الدلو تتخيل أن مسارها المهنِيّ الذي قضته بين أروقة الصحافة والكتابة وإعداد البرامج الإذاعية، سينعطف كليًا ليتصدر خط المواجهة الأول ضد التجهيل في أقسى ظروف مرّت بها بلدها.

تُخبر فاطمة مراسلتنا أنّ مبادرتها التعليمية وُلدت من شتات نزوحها الأول في مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، دون أي مقومات، قائلةً: "لم أكن أملك شيئًا سوى الرغبة في إنقاذ هؤلاء الأطفال من الضياع؛ كنت أجمّع بضعة أطفال في خيمة صغيرة، ونمزق ورقة واحدة من دفتر لنتقاسمها، ويتناوبون على قلم رصاص واحد ليخطوا حروفهم الأولى بعد انقطاع طويل عن التعليم".

كان البدء بالفكرة والاستمرار بها كلاهما مر وشاق، غير أن اليوم الأول حمل مفاجأة أذهلت فاطمة نفسها، حين تجمّع حول الخيمة قرابة 150 طفلاً عطشى للمعرفة.

وعلى مدار ستة أشهر متواصلة، حملت فاطمة عبء المبادرة بمفردها كليًا دون أي دعم، تتكئ فقط على شغف أولئك الصغار الذين كانوا يقطعون الطرقات الترابية للوصول إليها، والإقبال المتزايد من العائلات الذين وجدوا في خيمتها الصغيرة الملاذ الوحيد لحماية أبنائهم من جحيم الأمية.

هذا الشغف واللهفة التي رأتها في عيون الأطفال المحرك الأساسي الذي منحها القوة للاستمرار ومواجهة انعدام المقومات، لتواصل تدريس طلاب المرحلة الدنيا المواد الأساسية وتتولى رعايتهم بجهدٍ فردي محض.

ورغم تكرار النزوح مرارًا، تمسّكت باستكمال التجربة ونقلها أينما ذهبت خلال فترة الحرب، قبل أن تعود وتستقر مع رحلة العودة إلى الشمال؛ حيث أُقيمت خيام تعليمية على قطعة أرض بحي النصر غرب مدينة غزة، لتستوعب دوامًا يوميًا منتظمًا لنحو 250 طالبًا.

هذا الإصرار لفت أنظار المؤسسات الشريكة؛ فنالت المبادرة دعمًا من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومؤسسات أخرى، ما شكّل نقطة تحول فارقة وفرت الخيمة المناسبة، والأثاث، والسبورات، والقرطاسية، وصولاً إلى استقطاب كادر من المعلمين والمتطوعين؛ لتتسع المبادرة رسميًا تحت اسم "وصلة أمل"، ممدةً مظلتها من الصف الأول وحتى الصف الثامن الأساسي.

مبادرة وصلة أمل3.jpg
 

ولم تقف "وصلة أمل" عند حدود التعليم المنهجي، بل أضافت فضاءً حيًا للدعم النفسي الاجتماعي، عبر أنشطة فنية وموسيقية ومخيم صيفي يُفكك صدمات الحرب المركبة.

وعلى مدار سنوات الحرب الثلاث، توّجت المبادرة مسيرتها بتخريج قرابة 600 طالب وطالبة، اعتمدت في متابعتهم على تقييمات يومية واختبارات شهرية وأوراق عمل منهجية، بالتنسيق والتعاون المباشر مع وزارة التربية والتعليم، وفق فاطمة الدلو.

غير أن المعيار الأغلى للنجاح بالنسبة لضيفتنا لم يكن يومًا مجرد أرقام، بل تلك الروح التي دبت في أجساد الصغار؛ كقصة الطفل "يزن" الذي وصل الخيمة غارقًا في نوبات بكاء وحزن لا ينتهي بعد استشهاد والده، قبل أن تتلقفه المبادرة برعاية نفسية صبورة أعادت إليه توازنه وشغفه ليصبح من أبرز المتفوقين.

وقصة تلك الطفلة التي كانت تمضي نهارها بين الشوارع لجمع الحطب وقطع الكرتون لأسرتها؛ قبل أن تحتضنها المبادرة وتُعيدها إلى مقاعد الدراسة.

وترى فاطمة أن هذه المبادرات الفردية استطاعت أن ترتق قطاعًا واسعًا من الفاقد التعليمي، مشيرةً إلى أن "وصلة أمل" تمثل بالنسبة لها الإنجاز الأعظم في حياتها؛ كونها نبتت من العدم، ومضت بعمل مجاني محض يُكرّس حق أطفال غزة في الحياة والتعلم.

داخل خيمة "وصلة أمل"، كان لهيب الشمس يلف المكان ووجوه الصغار تتصبب عرقًا تحت الحر الشديد؛ غير أن الأطفال كانوا يتحدثون معنا بشغف استثنائي؛ فهذا الطالب "يحيى" يروي كيف انتقل من محاولات فردية بسيطة إلى قراءة اللغة الإنجليزية بطلاقة، بينما تصرّ طالبة أخرى على المشي مسافات طويلة يوميًا للوصول إلى الخيمة قائلةً: "هنا وجدنا مدرسة حقيقية أصلحت مستوانا، واليوم كَبُر حلمي لأصبح طبيبة أسنان".

وتؤكد المعلمات اللاتي قابلناهن أن مستويات الطلبة شهدت فارقًا ملموسًا ونقلة نوعية مقارنة بالبدايات؛ فرغم انعدام المقومات، يُظهر الأطفال حبًا للمعرفة وتمسكًا بوجود روتين يومي منتظم يعيد إليهم بعضًا من الحياة الطبيعية، ويمنحهم مساحة هادئة تبتعد بهم عن مذلة التكيات وطوابير المياه وأهوال القصف.

مبادرة وصلة أمل 2.jpg

مبادرة وصلة أمل.jpg
 

مأسسة خيام التعليم

تُعدّ "وصلة أمل" واحدةً من بين عشرات المبادرات التعليمية التي انطلقت من فوق الركام في مختلف مناطق قطاع غزة؛ إذ يكشف تقرير رسمي حديث صادر عن وزارة التربية والتعليم العالي، وحصلت "وكالة سند للأنباء" على نسخة حصرية منه ويوثق الواقع التعليمي حتى نهاية نيسان/ أبريل 2026، عن مأسسة هذه الجهود عبر احتضان وإقامة 834 مدرسة ميدانية ونقطة تعليمية طارئة، تضم 2,463 خيمة وشادرًا تشكل 53.5% من مجموع الغرف الصفية البديلة المستحدثة.

وتظهر بيانات الوزارة أن هذه النقاط استوعبت 399,888 طالبًا وطالبة في مسار التعليم الوجاهي البديل، في حين يرزح 127,569 طالبًا وطالبة خارج أي مسار تعليمي (سواء وجاهي أو إلكتروني)، وهو ما يمثل 20.6% من إجمالي طلبة القطاع، ما يهدد بتحول هذا الانقطاع إلى تسرب دائم جراء ظروف النزوح وانعدام الأمان.

ووفق معطيات التقرير فأن الواقع الطارئ فرض تقليصًا حادًا في الساعات التعليمية بنسبة تجاوزت 65% مقارنة بالوضع الطبيعي، واختصار المناهج الدراسية لتركز حصرًا على أربعة مباحث أساسية: (اللغة العربية، الرياضيات، اللغة الإنجليزية، والعلوم)، بهدف معالجة الفاقد التعليمي.

وفي تعقيبه على الفكرة، يقول المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم في قطاع غزة، أحمد عايش النجار، إنّ تنظيم المبادرات التعليمية وتزويدها بالخطط الاستدراكية وإدماج طلبتها في السجلات الرسمية كان خيارًا اضطراريًا لإنقاذ جيل كامل من الأمية.

ويشدد النجار في حديث خاص مع "وكالة سند للأنباء"، أن هذه الخيام والنقاط الميدانية رغم أهميتها الاستثنائية تبقى حلولاً مؤقتة ومجتزأة لا تعوض عن البيئة المدرسية الحقيقية التي دمرها الاحتلال خلال سنوات حرب الإبادة.

وتُفسر أرقام تقرير الوزارة، دواعي هذا الخيار الاضطراري؛ فبعد أن كان القطاع يضم قبل الحرب 584 مبنى مدرسيًا (موزعة بين حكومية، وأونروا، وخاصة، وتربية خاصة)، تعرضت هذه البنية لتدمير واسع أحصى منه التقرير 96 مبنى مدمرًا كليًا، و117 مبنى بأضرار بليغة وجزئية، فضلاً عن تعذر الوصول لمدارس أخرى لتقييمها.

طوق نجاة يحاوطه التحديات

بينما يعتبر مدير مديرية التربية والتعليم بشرق غزة منير أبو زعتير، أنّ المبادرات التعليمية باتت تشكل شريان حياة وطوق نجاة وركيزة أساسية لمعالجة الفاقد التعليمي والنفسي لدى الطلبة، فقد أثبتت هذه الجهود نجاحًا لافتًا بإعادة نحو 80% من الطلاب إلى مقاعد التعليم الوجاهي، متجاوزين أثر الانقطاع القسري بتحقيق نسبة اكتساب للمهارات الأساسية فاقت 60% عمومًا.

لكن هذه الجهود تصطدم بتحديات جسيمة فرضها خروج جميع المدارس التقليدية عن الخدمة بفعل الدمار، وعجز الطواقم عن إزالة الركام؛ أبرزها الارتفاع الخيالي لتكلفة الفصول البديلة المصنوعة من الخشب و"الزينكو" والتي تراوح بين 18 إلى 20 ألف دولار للغرفة دون أن توفر بيئة تعليمية ملائمة، بحسب ما تحدث به "أبو زعتير" لـ "وكالة سند للأنباء".

ويشير إلى أنّ الحصار وما يفرضه من شح وارتفاع جنوني في أسعار الكتب والقرطاسية يظل العائق الأكبر أمام تيسير العملية التعليمية.

ولتجاوز هذه الأزمة المتفاقمة، يوجه "أبو زعتير" حزمة مطالب رئيسية؛ أبرزها مناشدة المؤسسات الدولية ذات الصلة بتوفير كرفانات تعليمية مجهزة كبديل أفضل للخيام، ومطالبة الجهات المعنية بإخلاء المدارس من النازحين وتوفير مراكز إيواء بديلة لهم، تتيح عودة الطلبة لمبانيهم الأصلية، لاسيما أن تكلفة ترميمها وصيانتها تقل بكثير عن الأموال الباهظة المهدرة على الغرف المؤقتة.