بين ركام المنازل المدمرة وأكوام الإسمنت التي غيّرت ملامح الأحياء السكنية في قطاع غزة، لا تزال جثامين آلاف الشهداء عالقة تحت أكثر من 60 مليون طنٍ من الركام منذ أكثر من عامين ونصف، في مشهد يجسد إحدى أكثر المآسي الإنسانية قسوة واستمرارًا.
وفي ظل النقص الحاد في المعدات والآليات الثقيلة والمواد اللازمة لإزالة الأنقاض ومنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها، تتصاعد التحذيرات من التداعيات الصحية والبيئية الخطيرة لتراكم الجثامين، وسط مخاوف من تلوث مصادر المياه والتربة وانتشار الأوبئة والأمراض، في وقت يواجه فيه القطاع أصلًا انهيارًا غير مسبوق في منظومته الصحية والخدماتية.
ولا يقتصر الأمر على هذا الحد فحسب، بل يمتد القهر للأسر التي لا تزال تنتظر العثور على أحبائها، إذ تبقى قضية الجثامين تحت الأنقاض جرحًا مفتوحًا يضاف إلى سلسلة الأزمات التي تثقل كاهل سكان غزة.
"كابوس مرعب"..
"يعني أنني أعيش في كابوس مرعب لا ينتهي، الموت العادي صعب، لكنكِ على الأقل تدفنين حبيبكِ وتعرفين أين هو، أما أن تكون أختي روان تحت الأنقاض منذ شهر سبتمبر الماضي فهذا يعني أنني في كل ليلة أغمض فيها عيني، يتملكني رعب حقيقي"، بهذه الكلمات استهلت الصحفية إيمان شبير حديثها عن شقيقتها التي لا زالت أنقاض منزلها المدمر تحاصر جثمانها وطفلها منذ عام وحتى اللحظة.
تقول "شبير" لمراسلة "وكالة سند للأنباء" إن الموت، على قسوته، يترك أحيانًا مساحة أخيرة للوداع، لكن ما تعيشه هي مختلف تمامًا، فغياب الجثمانين حرم العائلة من أبسط حقوقها الإنسانية: أن تعرف أين يرقد أحباؤها، وأن تودعهم وتدفنهم بكرامة.
وتصف العام الذي مرّ بأنه عام من "العذاب المتواصل"، إذ لم يتحول الفقد إلى ذكرى يمكن التعايش معها، بل بقي حاضرًا بكل تفاصيله المؤلمة.
ففي كل ليلة، تعود إليها الصور ذاتها؛ تتخيل شقيقتها وابنها تحت أكوام الركام، في مكان لم تتمكن العائلة من الوصول إليه أو انتشالهما منه، وتقول: "أتخيل الظلام، والبرد، وثقل الحجارة فوق جسدها، أشعر أنني أختنق لمجرد التفكير في هذا الوضع".
ورغم محاولاتها ممارسة حياتها اليومية بشكل طبيعي، تؤكد "شبير" أن ما يظهر للناس لا يعكس ما تعيشه في داخلها، فهناك جزء من روحها ما زال عالقًا تحت تلك الأنقاض منذ ذلك اليوم، مشيرةً إلى أن مرور الوقت لم ينجح في تضميد الجرح، لأن الجرح أساسًا لم يُتح له أن يلتئم.
وبغصة في حديثها تتابع، أن بقاء شقيقتها وابنها تحت الركام طوال هذه المدة جعل المأساة مستمرة، وكأن لحظة الفقد تتكرر كل يوم من جديد، فبدلًا من أن يكون الحزن محطة مؤلمة ثم تمضي الحياة بعدها، تحول إلى واقع يومي ثقيل يرافقها في كل تفاصيلها، ويجعلها تشعر بأن الكارثة لم تنتهِ بعد، وأن جزءًا منها لا يزال مدفونًا هناك، ينتظر نهاية لم تأتِ حتى الآن.
لكن أكثر ما يحرق قلبها هو مشهد ابن شقيقتها، الذي بدا مع مرور الوقت وكأنه صار قطعة من ذلك الركام، فمنذ أن ابتلعت الأنقاض والدته، وهو يرفض مغادرة المكان، يقضي نهاره وليله فوق الردم، متشبثًا بخيط رفيع من الأمل، على قسوته، بأن تخرج والدته يومًا من تحت الحجارة.
هناك، بين بقايا المنزل المدمر، يكبر الطفل على انتظار لا ينتهي، فيما تتحول الأنقاض إلى شاهد صامت على عام كامل من الحزن والعجز والاشتياق.
"طرقنا كل باب"..
وتقول إنها وعائلتها لم يتوقفوا عن البحث طوال الأشهر الماضية، وطرق كل باب يمكن أن يقود إلى انتشال جثمان شقيقتها.
وتضيف: "تواصلنا مرارًا مع طواقم الدفاع المدني، وسعينا بكل الوسائل المتاحة، لكنني كصحفية أعرف جيدًا أن ما نعيشه في غزة أكبر من أن يكون أزمة عادية يمكن التعامل معها بالإمكانات المتوفرة".
وتوضح أن مأساتها الشخصية ليست سوى واحدة من آلاف المآسي المتشابهة، فهناك أعداد كبيرة من الضحايا ما زالوا تحت الأنقاض في مختلف المناطق، بينما تعجز الإمكانات المحدودة عن مواكبة حجم الكارثة.
وتشير إلى أن نقص المعدات والآليات، واستمرار المخاطر الميدانية، وتراكم كميات هائلة من الركام، كلها عوامل جعلت عمليات الوصول إلى الضحايا مهمة بالغة الصعوبة.
وتتابع: "أعرف أن طواقم الدفاع المدني تعمل فوق طاقتها وتبذل كل ما تستطيع في ظروف شبه مستحيلة، ولذلك فإن شعوري بالخذلان لا يتجه إليهم. الخذلان الحقيقي يأتي من عالم يشاهد هذه المأساة المستمرة منذ شهور طويلة، ويرى آلاف العائلات تنتظر انتشال أحبائها من تحت بيوتهم المدمرة، دون أن يتحرك بالقدر الذي يوازي حجم الكارثة".
تحذيرات بيئية..
بدوره، يقول المختص البيئي عبد الفتاح عبد ربه، إنّ بقاء جثامين الشهداء تحت الأنقاض لفترات طويلة يُشكل تحديًا بيئيًا وصحيًا، إذ يسهم في تلوث التربة وربما المياه الجوفية نتيجة تحلل الأنسجة، وانبعاث الروائح والغازات الناتجة عن التحلل، فضلًا عن جذب الذباب والقوارض والكلاب الضالة وغيرها من نواقل الأمراض.
ويؤكد "عبد ربه" لـ "وكالة سند للأنباء"، أنَّ اختلاط الجثامين بالركام والنفايات ومياه الصرف الصحي إلى تفاقم التلوث البيئي وإعاقة عمليات إزالة الأنقاض والتعافي البيئي.
ويستند ضيفنا إلى الأدلة العلمية التي تشير إلى أن الجثامين بحد ذاتها ليست سببًا رئيسيًا لتفشي الأوبئة، بل إن الخطر الأكبر ينجم عن انهيار خدمات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات والاكتظاظ في مخيمات النزوح.
ويضيف أن تحلل الجثامين في المناطق السكنية المكتظة ينعكس سلبًا على البيئة المحيطة، نتيجة إفراز سوائل التحلل والمواد العضوية التي تتسرب إلى التربة وتؤثر في جودتها.
ولفت النظر إلى أنَّ هذه الملوثات قد تصل إلى المياه الجوفية أو مصادر المياه القريبة، لا سيما في المناطق التي تعرضت فيها شبكات المياه والصرف الصحي لأضرار جسيمة، ما يزيد من المخاطر البيئية والصحية ويضاعف التحديات التي تواجه السكان والجهات المختصة في التعامل مع آثار الدمار المستمر.
مخاطر ممتدة..
كما تنبعث روائح وغازات ناتجة عن التحلل الحيوي، مثل الأمونيا وكبريتيد الهيدروجين، مما يفاقم تلوث الهواء المحلي ويؤثر في جودة الحياة. وفقاً للمختص البيئي.
وتجذب الجثامين المتحللة -وفق عبد ربه- الذباب والقوارض والكلاب الضالة وغيرها من نواقل الأمراض، خاصة عند اختلاطها بالنفايات الصلبة ومياه الصرف الصحي.
وتتضاعف هذه الآثار نتيجة ضعف خدمات النظافة والصرف الصحي خاصة في البيئات المكتظة بالسكان ومخيمات النزوح، ما يزيد من المخاطر البيئية والصحية، رغم أن الجثامين بحد ذاتها لا تُعد سببًا رئيسيًا لتفشي الأوبئة وفق الأدلة العلمية.
ويؤكد "عبد ربه" أنَّ المخاطر الناجمة عن تحلل الجثامين تختلف باختلاف مدة بقائها تحت الأنقاض، موضحاً أنه في الأسابيع الأولى تكون الآثار البيئية أكثر ارتباطًا بعمليات التحلل، وانبعاث الروائح، وجذب الذباب والقوارض وآكلات الجيف.
أما مع امتداد الفترة إلى أشهر أو سنوات، فتتراجع المخاطر المرتبطة بالتحلل نفسه تدريجيًا، بينما تبرز مخاطر أخرى تتمثل في استمرار تلوث التربة والبيئة المحيطة، وتأخر إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وبقاء الجثامين مختلطة بالركام والنفايات ومخلفات الحرب، مما يعرقل جهود التعافي البيئي والعمراني.
ويتابع حديثه بالقول: "في جميع الأحوال تشير الأدلة العلمية إلى أن بقاء الجثامين لفترات طويلة لا يؤدي بحد ذاته إلى تفشي الأوبئة، بل إن المخاطر الصحية الأكبر تنجم عن تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، والازدحام السكاني، وانتشار نواقل الأمراض في البيئات المتضررة".
مؤشرات تدهور الوضع البيئي..
ويلفت "عبد ربه" النظر إلى جملة من المؤشرات التي قد تدل على تدهور الوضع البيئي في المناطق التي تضم جثامين تحت الأنقاض لفترات طويلة، من أبرزها استمرار انبعاث الروائح الكريهة، وازدياد أعداد الذباب والقوارض والكلاب الضالة، إلى جانب ملاحظة تغيرات في خصائص التربة أو مصادر المياه القريبة، وتفاقم مشكلة تراكم النفايات ومياه الصرف الصحي.
ويرى أنَّ هذه المؤشرات تستوجب المتابعة والرصد من الجهات المختصة، لما تعكسه من تراجع في الظروف البيئية والصحية العامة.
ولا تُشكِّل هذه العلامات بمفردها دليلًا قاطعًا على وجود تلوث ناجم عن الجثامين "بحسب عبد ربه"، إذ يتطلب تحديد مصادر التلوث إجراء فحوصات وتحاليل بيئية ومخبرية متخصصة.
ويُنبِّه أن التدهور البيئي في قطاع غزة يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها مخلفات الحرب والدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، إضافة إلى تعطل شبكات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات، وهي عوامل تسهم مجتمعة في تفاقم المخاطر البيئية والصحية في المناطق المتضررة.
ويذكر ضيفنا جملة من الخطوات البيئية والصحية عند إزالة الركام، والتي تشمل: إجراء تقييم ميداني للمخاطر (جثامين، مواد خطرة، ذخائر غير منفجرة)، وانتشال الجثامين بطريقة آمنة.
إضافة إلى فرز الركام وإعادة تدوير القابل منه والتخلص الآمن من الملوث، والحد من الغبار أثناء العمل، وإدارة أي نفايات أو سوائل ملوثة بشكل صحي، مع مراقبة جودة التربة والمياه والهواء بشكل مستمر. كما يجب حماية العاملين والسكان بمعدات الوقاية والعزل، ثم تنفيذ إعادة تأهيل بيئي للموقع بعد الانتهاء.
60 مليون طن من الركام..
وتقدر كمية الركام والأنقاض المتراكمة في قطاع غزة حتى النصف الأول من عام 2026 بنحو 60 مليون طن (وتشير تقديرات أممية أخرى إلى 68 مليون طن)، وذلك إثر تعرض أكثر من 80% من المباني والبنية التحتية للدمار الشامل أو الجزئي.
وتوضح الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن أكثر من 80% من مباني قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر، في حين تغطي المناطق كميات أنقاض تقارب من 60 إلى 70 مليون طن من الركام.
وتشير التقديرات الرسمية والحقوقية في قطاع غزة إلى وجود ما بين 8,500 إلى أكثر من 11,000 مفقود حتى النصف الأول من عام 2026، حيث يُرجح أن غالبيتهم قد استشهدوا وبقيت جثامينهم عالقة تحت ركام المباني المدمرة.
وتشكل إزالة الأنقاض في قطاع غزة تحديا كبيرا لانطلاق إعادة الإعمار، حيث تشير آخر التقديرات الأممية إلى وجود 60 مليون طن من الأنقاض في القطاع تعادل حمولة 3 آلاف سفينة حاويات.
ويعني ذلك أن 30 طنا من الأنقاض تحاصر كل شخص في القطاع، وأن إزالة هذا الحجم الهائل تحتاج إلى 7 سنوات على الأقل.
وأظهرت الإحصاءات الأممية أن نسبة الدمار في القطاع بلغت 84%، فيما وصلت النسبة في مدينة غزة وحدها إلى 92%، وسط تكلفة إعادة إعمار قدرت بـ70 مليار دولار، حسب الأمم المتحدة.
