كشف تحقيق صحفي أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تواصل نقل كميات كبيرة من النفايات الصناعية والإلكترونية والخطرة إلى الضفة الغربية المحتلة، في سياسة حولت الأراضي الفلسطينية إلى مكب مفتوح للنفايات السامة، بينما يتحمل المواطنون وحدهم التداعيات الصحية والبيئية والاقتصادية لهذه الممارسات في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال على تطوير البنية التحتية البيئية الفلسطينية.
وأوضح التحقيق، الذي نشره موقع موندووايس الإخباري الدولي، أن شاحنات إسرائيلية تنقل بصورة شبه يومية نفايات من داخل الأراضي المحتلة عام 1948 ومن المستوطنات المقامة في الضفة الغربية إلى بلدات فلسطينية، خاصة في محافظة الخليل، حيث يتم تفريغها في الأراضي المفتوحة وعلى مقربة من المنازل والمناطق الزراعية.
وأشار إلى أن بلدة إذنا غرب الخليل أصبحت واحدة من أبرز الوجهات التي تُلقى فيها النفايات الإلكترونية الإسرائيلية، قبل أن يقوم عمال فلسطينيون بتفكيك الأجهزة لاستخراج معادن مثل النحاس والرصاص والنيكل، ثم إحراق ما يتبقى منها في العراء، ما يؤدي إلى تصاعد أدخنة سامة تغطي المنطقة بصورة شبه يومية.
ورصد التحقيق معاناة العائلات الفلسطينية التي تعيش بالقرب من هذه المواقع، ناقلاً شهادة الفلسطينية لينا فرج الله، التي أكدت أن ابنتها هبة، البالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً، تعاني نوبات متكررة من السعال وضيق التنفس، مشيرة إلى أن الأعراض تشتد كلما تصاعد الدخان الناتج عن حرق النفايات، ثم تخف مؤقتاً مع تغير اتجاه الرياح أو انطفاء الحرائق.
وأضافت أن الوضع الصحي لابنتها أخذ في التدهور تدريجياً، بعدما أصبحت نوبات المرض أطول وأكثر حدة، في ظل استمرار عمليات الحرق بالقرب من منزلها.
نفايات صناعية وكيميائية خطيرة
ووفق التحقيق، لا تدخل هذه النفايات ضمن الكميات التي تعلن دولة الاحتلال إعادة تدويرها رسمياً، وإنما تشمل جزءاً غير معلن من النفايات الصناعية والكيميائية والإلكترونية التي يجري التخلص منها داخل الأراضي الفلسطينية، خصوصاً في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
وأشار إلى أن عدد مواقع التخلص غير القانوني من النفايات في الضفة الغربية ارتفع بصورة كبيرة منذ أكتوبر 2023، ليصل إلى اثنين وتسعين موقعاً، يتركز معظمها في المنطقة (ج)، التي تشكل نحو ستين في المئة من مساحة الضفة الغربية، وتخضع للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية.
ونقل التحقيق عن القائم بأعمال رئيس المديرية العامة لحماية البيئة في الضفة الغربية، المهندس بهجت جبارين، قوله إن دولة الاحتلال تهرب بصورة شبه يومية نفايات منزلية وصناعية وخطرة إلى الضفة الغربية، تشمل النفايات السائلة والإلكترونية والزيوت المستعملة والإطارات ومخلفات البناء والهدم.
وأكد جبارين أن الشحنات التي تنجح الجهات الفلسطينية في ضبطها لا تمثل سوى جزء محدود من الحجم الحقيقي للنفايات، بسبب عدم قدرة المؤسسات الفلسطينية على الوصول إلى معظم المنطقة (ج).
وأضاف أن دولة الاحتلال تعرقل منذ أكثر من عشرين عاماً إقامة أي منشآت فلسطينية حديثة لإدارة النفايات أو معالجة مياه الصرف الصحي أو إنشاء محطات نقل ومدافن صحية، الأمر الذي فاقم الأزمة البيئية وأبقى الفلسطينيين عاجزين عن مواجهة حجم التلوث المتزايد.
ورأى أن حماية البيئة لا تتحقق عبر معاقبة الفلسطينيين أو تحميلهم مسؤولية التلوث، وإنما بوقف نقل النفايات الإسرائيلية إلى الأراضي الفلسطينية وإنهاء السياسات التي تمنع تطوير البنية التحتية البيئية الفلسطينية.
تلوث صناعي وتدهور الأراضي الزراعية
أوضح التحقيق أن دولة الاحتلال أعادت تدوير المواد ذات القيمة الاقتصادية داخل أراضيها، بينما نقلت النفايات الأكثر خطورة إلى الضفة الغربية، مستفيدة من غياب القيود البيئية الصارمة داخل المناطق الصناعية الاستيطانية.
واستشهد بتقرير سابق لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية، الذي وثق وجود ما لا يقل عن خمس عشرة منشأة إسرائيلية لمعالجة النفايات داخل الضفة الغربية، بينها ست منشآت تتعامل مع النفايات الخطرة، مثل النفايات الطبية والبطاريات والزيوت والمذيبات والنفايات الإلكترونية، في وقت تخضع فيه المنشآت المماثلة داخل إسرائيل لرقابة وتشريعات بيئية أكثر صرامة.
وأضاف أن السلطات الإسرائيلية تقدم حوافز وإعفاءات ضريبية لتلك المنشآت داخل المستوطنات، ما يجعل التخلص من النفايات في الأراضي الفلسطينية أكثر ربحية من معالجتها داخل دولة الاحتلال.
كما أشار التحقيق إلى أن محافظة الخليل تستقبل غالبية النفايات الإلكترونية، بينما تتلقى مناطق غرب رام الله مخلفات البناء، في حين تتركز النفايات الكيميائية والصناعية الخطرة في شمال الضفة الغربية.
وخلص تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، استشهد به التحقيق، إلى أن الفلسطينيين يواجهون ضغوطاً متراكبة تشمل التلوث الصناعي وتدهور الأراضي وأزمة إدارة النفايات، وهي مشكلات تفاقمت بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على بناء البنية التحتية البيئية.
وأضاف التقرير أن دراسات ميدانية أظهرت وجود ارتباط قوي بين مواقع حرق النفايات الإلكترونية وارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الغدد الليمفاوية لدى الأطفال في المناطق الريفية بالضفة الغربية.
كما أقرت الإدارة المدنية الإسرائيلية بأن الدخان المنبعث من عمليات الحرق يحتوي على مواد مسرطنة، وأن مياه الصرف الناتجة عن هذه المواقع تنقل معادن ثقيلة إلى التربة والمياه الجوفية.
ورأى الباحث في المنتدى الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، وليد حباس، أن القضية تتجاوز كونها أزمة بيئية، معتبراً أن تحويل الضفة الغربية إلى موقع للتخلص من النفايات الإسرائيلية يمثل ممارسة سياسية واستعمارية تستغل القيود المفروضة على الفلسطينيين وتكرس السيطرة على الأرض والموارد.
من جهتها، حذرت رئيسة هيئة جودة البيئة الفلسطينية السابقة عدالة الأتيرة من أن الفلسطينيين يدفعون ثمناً صحياً وبيئياً واقتصادياً لممارسات لا يملكون القدرة على وقفها داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال.
وأكدت أن الأسر الأكثر فقراً والقريبة من مواقع النفايات تتحمل العبء الأكبر من الأمراض والتلوث، بينما تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لحماية نفسها أو علاج الأضرار الناتجة عنها.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع موندووايس (Mondoweiss) أضغط هنا
