في غزة، لم يعد الإسمنت مجرد مادة للبناء، بل أصبح معياراً يقاس به مستقبل التعافي، فكل يوم يتأخر فيه دخوله يعني مزيداً من البطالة، ومزيداً من الركام، ومزيداً من العائلات التي تنتظر أن يتحول حلم العودة إلى منزل آمن من أمنية بعيدة إلى واقع.
يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن استمرار غياب الإسمنت يكشف عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها قطاع غزة، بعدما أصبحت هذه المادة أحد أبرز مؤشرات توقف التعافي وتعطل عجلة الإنتاج.
وأكد أبو قمر في تصريحات تابعتها "وكالة سند للأنباء"، أن نقص الإسمنت أدى إلى شلل أنشطة البناء والترميم، وهو ما انعكس مباشرة على حركة الأسواق، وحدّ من قدرة الاقتصاد المحلي على استعادة جزء من نشاطه بعد الدمار الواسع الذي طال مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن قطاع الإنشاءات يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد، لارتباطه بسلسلة طويلة من المهن والخدمات والأنشطة التجارية.
ومع توقف أعمال البناء، تراجعت فرص العمل أمام آلاف العمال والحرفيين، وانخفضت حركة بيع مواد البناء والأدوات المرتبطة بها، لتتسع آثار الأزمة إلى قطاعات اقتصادية متعددة، وليس إلى قطاع الإنشاءات وحده.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية حجم هذا الانهيار؛ إذ سجل قطاع الإنشاءات تراجعاً وشللاً شبه كامل بنسبة بلغت 99%.
وانخفض الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 84%، قبل أن يتراجع مجدداً بنحو 8.7%، بينما ارتفعت معدلات البطالة إلى ما بين 77% و80%، في ظل توقف عجلة الإنتاج واتساع رقعة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
بدائل اضطرارية
ومع استمرار منع دخول الإسمنت بكميات كافية، اتجه السكان إلى إعادة تدوير ركام المنازل المدمرة عبر كسارات محلية لإنتاج مواد بديلة تستخدم في أعمال محدودة.
ولكن هذه الحلول فرضتها الضرورة، ولا يمكنها أن تشكل بديلاً فنياً مستداماً للإسمنت المستخدم في البناء الآمن، فالاعتماد على الخشب أو الطين يستهلك موارد مالية كبيرة دون تحقيق استدامة حقيقية.
ويعد دخول الإسمنت إلى القطاع كفيل بإعادة تشغيل أكثر من 50 حرفة ومهنة مرتبطة بقطاع الإنشاءات، تشمل أعمال البلاط والحدادة والنجارة والسباكة والكهرباء وغيرها.
ويرتبط استمرار الأزمة أيضاً بقيود سياسية وأمنية تحول دون تدفق الإسمنت، إذ تصنف "إسرائيل" هذه المادة ضمن قائمة "المواد مزدوجة الاستخدام"، ما يفرض قيوداً مشددة على دخولها.
وتربط حكومة الاحتلال إطلاق عمليات إعادة الإعمار بملفات سياسية وأمنية، بينما تتجه بعض المبادرات الدولية إلى البدء بإعادة تدوير ركام الدمار.
