كشف تحقيق صحفي عن تفاصيل نظام إسرائيلي وُصف بأنه "عشوائي وغامض" لإعادة جثامين الفلسطينيين والمعتقلين المفرج عنهم إلى قطاع غزة خلال الأشهر الأولى من حرب الإبادة الجماعية، وسط غياب شبه كامل للشفافية والسجلات الرسمية، الأمر الذي يفسر استمرار اختفاء آلاف الفلسطينيين وعدم معرفة مصيرهم حتى اليوم.
وأوضح التحقيق، الذي استند إلى شهادات أكثر من 15 عاملاً في المجال الإنساني، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أعادت مئات الجثامين إلى غزة عبر معبر كرم أبو سالم دون تقديم أي معلومات عن هويات أصحابها أو ظروف وفاتهم، بينما منعت في الوقت نفسه إدخال أدوات الفحص الجنائي اللازمة لتحديد هويات الضحايا، بما في ذلك فحوص الحمض النووي.
وبحسب التحقيق، بدأت إحدى أبرز الحوادث في ديسمبر/كانون الأول 2023 عندما تسلم موظفو الأمم المتحدة حاوية معدنية يبلغ طولها 12 متراً، احتوت على رفات نحو 80 فلسطينياً من الرجال والنساء والأطفال، بعدما أبلغتهم وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق بضرورة استلامها من نقطة قرب معبر كرم أبو سالم.
وأشار موظف أممي، استخدم اسماً مستعاراً لدواعٍ أمنية، إلى أن الحاوية كانت تنبعث منها روائح الجثث المتحللة، بينما رفضت السلطات الإسرائيلية تقديم أي معلومات بشأن الضحايا أو أسباب وفاتهم أو أماكن العثور عليهم، قبل أن تتولى وزارة الصحة في غزة استلام الجثامين في اليوم التالي.
نظام تسليم عشوائي لجثامين الشهداء
أكد التحقيق أن الواقعة المذكورة لم تكن استثنائية، بل جاءت ضمن سلسلة عمليات مماثلة جرى خلالها نقل جثامين مجهولة الهوية إلى القطاع، في ظل غياب آلية واضحة للتوثيق أو التنسيق مع الجهات الإنسانية الدولية.
وذكر أن الأمم المتحدة سهلت حتى مايو/أيار 2024 عودة أكثر من 1500 معتقل فلسطيني إلى غزة، إضافة إلى استلام 227 جثماناً مجهول الهوية خلال ثلاث دفعات منفصلة بين ديسمبر 2023 ومارس 2024، قبل أن تعاد دفعات إضافية لاحقاً، ليصل مجموع الجثامين التي أعيدت حتى سبتمبر/أيلول 2024 إلى 415 جثماناً.
وأوضح التحقيق أن معظم الجثامين وصلت في حالات تحلل متقدمة، بينما كانت أجساد أخرى مبتورة أو مشوهة أو خالية من الرؤوس أو الجلد، كما ضمت بعض الشحنات أجزاءً بشرية منفصلة، الأمر الذي جعل تحديد العدد الحقيقي للضحايا أو التعرف عليهم أمراً بالغ الصعوبة.
وأشار إلى أن جميع تلك الجثامين دفنت لاحقاً في مقابر جماعية داخل غزة دون التعرف على أصحابها، بعدما رفضت دولة الاحتلال تزويد السلطات الصحية بأي معلومات تتعلق بهوياتهم أو ملابسات وفاتهم، وهو ما اعتبره مسؤولون صحيون انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني.
آلاف المفقودين من غزة
لفت التحقيق إلى أن آلاف الفلسطينيين اعتقلوا منذ بدء الحرب ونقلوا إلى مراكز احتجاز عسكرية داخل دولة الاحتلال، بينها قاعدة "سديه تيمان"، حيث تحدثت منظمات حقوقية عن احتجازهم دون توجيه اتهامات، وعزلهم عن العالم الخارجي، وتعرض عدد منهم للتعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والحرمان من الغذاء والرعاية الطبية.
وبيّن أن عدداً كبيراً من المعتقلين الذين شوهدوا داخل مراكز الاحتجاز العسكرية لم يظهروا لاحقاً في السجلات الرسمية الإسرائيلية، الأمر الذي صعّب على عائلاتهم والمنظمات الحقوقية تتبع أماكن وجودهم أو معرفة مصيرهم.
ونقل التحقيق عن خبراء في الأمم المتحدة أن الاختفاء القسري لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، وأن ممارسته على نطاق واسع قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
وفي الوقت ذاته، لا يزال نحو ثمانية آلاف فلسطيني من سكان غزة في عداد المفقودين، بحسب المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً، فيما تشير منظمات حقوقية إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير بسبب مقتل عائلات كاملة وعدم وجود من يبلغ عن اختفائها.
كما أوضح التحقيق أن منظمة "هاموكيد" الإسرائيلية تلقت أكثر من 5400 طلب من عائلات فلسطينية للبحث عن أقاربها، ولا يزال أكثر من 1800 منهم مجهولي المصير بعد أن امتنعت السلطات الإسرائيلية عن تقديم أي معلومات بشأنهم.
وكشف العاملون في المجال الإنساني أن عمليات إعادة المعتقلين والجثامين كانت تتم بصورة مفاجئة ودون إشعارات مسبقة، ما اضطر موظفي الأمم المتحدة إلى الارتجال لإنشاء مراكز استقبال مؤقتة وتوفير الغذاء والبطانيات والرعاية الأولية للمفرج عنهم.
وأكدوا أن السلطات الإسرائيلية كانت تبلغهم أحياناً بأعداد غير دقيقة، أو تلغي عمليات الإفراج دون تفسير، فيما كان بعض المعتقلين يجبرون على السير حفاة لمسافات طويلة رغم ظهور آثار التعذيب وسوء التغذية والإصابات عليهم.
وأضاف التحقيق أن جنوداً إسرائيليين منعوا في إحدى المرات إدخال كرسي متحرك لطفل مصاب، فيما أطلقوا النار على الأرض لإجبار معتقلين مفرج عنهم على الإسراع أثناء عبورهم المعبر.
وأشار التحقيق إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تتمكن من أداء دورها الكامل في متابعة أوضاع المعتقلين أو توثيق عمليات الإفراج، بعدما منعتها إسرائيل من زيارة الفلسطينيين المحتجزين داخل السجون ومراكز الاعتقال طوال فترة الحرب، وهو ما أدى إلى غياب واحدة من أهم آليات الرقابة الدولية.
وخلص التحقيق إلى أن الطابع العشوائي لعمليات نقل الجثامين وإطلاق سراح المعتقلين، إلى جانب غياب السجلات الرسمية ورفض السلطات الإسرائيلية الكشف عن المعلومات الأساسية، خلق فجوة واسعة في توثيق مصير آلاف الفلسطينيين، الأمر الذي يرجح أن يبقى عدد كبير من المفقودين مجهولي المصير، سواء كانوا قد قتلوا أثناء الاحتجاز أو ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض أو بين الجثامين التي أعيدت إلى غزة دون هوية.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع مجلة +972 أضغط هنا
