بين حجارة البلدة القديمة في الخليل، حيث أثقلت الأزمات الاقتصادية أبواب المحال وأرهقت إجراءات الاحتلال تفاصيل الحياة اليومية، تتشبث الخيوط الفلسطينية بذاكرة المكان، وتقاوم محاولات الطمس والسرقة.
هناك، لا يُعرض الثوب الفلسطيني بوصفه قطعة قماش فحسب، بل باعتباره حكاية وطن وهوية شعب، ورسالة صمود في وجه حرب تستهدف الأرض والإنسان والرواية والتاريخ.
واحتضنت البلدة القديمة في الخليل معرض "خيوط الهوية" للتراث الفلسطيني، في فعالية حملت رسائل تؤكد التمسك بالموروث الوطني في وقت تتصاعد فيه محاولات الاحتلال لطمس الهوية الفلسطينية وسرقة مكوناتها الثقافية والتاريخية.
وقال عضو مجلس بلدية الخليل، معمر العويوي، إن تنظيم المعرض يأتي في وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني للإبادة، إلى جانب حرب تستهدف الوعي الفلسطيني وذاكرته الجماعية وتراثه وتاريخه.
وأكد في تصريح لـ"وكالة سند للأنباء"، أن مسؤولية الفلسطينيين ومؤسساتهم تتمثل في الحفاظ على التراث الوطني وتعزيزه من خلال الأنشطة التي تُعرّف الأجيال الجديدة به وتُبقيه حاضراً في الوجدان.
ومن بين المحال القليلة التي ما زالت تقاوم في البلدة القديمة، قال التاجر محمد التميمي لـ"سند" إن الزي الفلسطيني والتراث الفلسطيني وأرض فلسطين جميعها تستوجب الثبات والصمود.
وطالب الحكومة الفلسطينية بدعم تجار البلدة القديمة وتمكينهم من الصمود في ظل التراجع الاقتصادي.
وأضاف التميمي أن شارع الشلالة في البلدة القديمة كان قبل ست سنوات يشهد حركة تجارية جيدة، إلا أن أوضاعه الاقتصادية اليوم باتت صعبة، في ظل تراجع الإقبال واستمرار الضغوط التي تعانيها المنطقة.
بدوره، قال المواطن عبد السلام سياج إن الزي الفلسطيني مطلوب ومفقود في الوقت نفسه، مؤكداً أن البلدة القديمة في الخليل ماتت اقتصادياً، في حين يسعى الاحتلال إلى طمس كل ما يمت بصلة إلى التراث الفلسطيني.
من جهتها، أكدت عضو مجلس بلدية الخليل سارة الشماس، في حديثها لـ"سند"، أن إقامة فعاليات من هذا النوع داخل البلدة القديمة تحمل رسالة واضحة بأن التراث الفلسطيني لا يزال حياً رغم كل محاولات الاستهداف.
ولفتت الشماس، إلى أن يوم التراث الفلسطيني يجسد حضور هذا الموروث في كل مناسبة وفي كل ثوب فلسطيني.
ووجهت رسالة تدعو إلى حماية هوية الخليل والموروث الثقافي الفلسطيني، والتصدي لكل محاولات التشويه الثقافي أو سلب الهوية الوطنية.
وفي مقابل هذه الجهود، تواصل سلطات الاحتلال شن حرب ناعمة تستهدف نهب التراث الفلسطيني ونسبه إلى الرواية الإسرائيلية، في إطار محاولات صناعة تاريخ بديل يخدم المشروع الاستيطاني.
وتشمل هذه الانتهاكات السطو على الأزياء والمأكولات الفلسطينية، وتهويد المعالم الأثرية، وسرقة القطع الأثرية، إلى جانب تدمير مكونات التراث الثقافي في قطاع غزة.
وتواصل المؤسسات الإسرائيلية الترويج للثوب الفلسطيني والكوفية باعتبارهما جزءاً من ثقافتها، وهو ما ظهر في ارتداء مضيفات طيران إسرائيليات وملكات جمال أثواباً فلسطينية في محافل دولية، إلى جانب تسويق أطباق فلسطينية مثل الحمص والفلافل والمفتول على أنها أطعمة إسرائيلية.
وفي الضفة الغربية، تنشط وحدة ضابط الأركان لشؤون الآثار التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية في نقل قطع أثرية من المناطق المصنفة "ج" إلى المتاحف الإسرائيلية، مع تغيير هويتها الكنعانية أو العربية وإدراجها ضمن ما تصفه بـ"التاريخ اليهودي".
وفي ظل هذه التحديات، يؤكد مختصون أن حماية التراث الفلسطيني لم تعد خياراً ثقافياً، بل ضرورة وطنية تستوجب توثيق المعالم والقطع الأثرية رقمياً، وتعزيز حضور التراث الفلسطيني في المناهج التعليمية والمنصات الدولية، حفاظاً على ذاكرة شعب لا تزال تُروى بخيوط الثوب الفلسطيني قبل الكلمات.
