لم تعد الخيمة في غزة ملاذًا من الحرب، بل تحولت إلى سجنٍ من قماش يحاصر أجساد النازحين بحرارة قاتلة، فيما يلاحقهم العطش والجوع والبعوض والأمراض في كل زاوية.
هنا، لا يهرب الناس من القصف إلى الأمان، بل ينتقلون إلى معركة يومية أخرى مع شمسٍ حارقة، وخيامٍ بالية، ومياهٍ شحيحة، وأطفالٍ يقضون لياليهم بلا نوم.
في قلب الجحيم
"إحنا 8 أنفار قاعدين في خيمة، والوضع جحيم بالصيف"، بهذه الكلمات تختصر النازحة مريم بركة، في حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، تفاصيل الحياة داخل خيمة لا تقي حرًا ولا تحفظ كرامة.
تقول إنها تقضي ساعات طويلة في البحث عن المياه تحت أشعة الشمس، فتتمكن أحيانًا من تعبئة بعض الدلاء، بينما تعود في مرات أخرى خالية اليدين بعد رحلة شاقة إلى مصدر بعيد للمياه.
ولا تتوقف المعاناة عند العطش، إذ تضطر الأسرة إلى إعداد الطعام على الحطب وسط درجات حرارة مرتفعة، بينما تتحول الكراتين إلى وسيلة بدائية لتحريك الهواء داخل الخيمة.
وتروي مريم أن ابنها لم يعد يحتمل شدة الحر، ويكرر لها باستمرار: "يا ماما أنا مش قادر بالمرة"، فيما يعجز طفلها الصغير عن النوم بسبب الحرارة ولسعات البعوض والذباب التي غطت جسده بالحبوب، مؤكدة أن الحياة بأكملها تجري تحت الشمس وفي ظروف تصفها بأنها "صعبة جدًا".
وتعكس شهادة مريم واقعًا يعيشه نحو مليون نازح، أي ما يقارب 170 ألف أسرة، يواجهون حرارة الصيف داخل خيام وملاجئ مؤقتة، وفق تقرير حديث للمجلس النرويجي للاجئين.
وتشير معطيات موثقة إلى أن 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفًا أصبحت تالفة وغير صالحة للاستخدام البشري بفعل العوامل الجوية، بينما ترصد المنظمة وجود نحو خمسة آلاف أسرة تنام في العراء دون أي غطاء يحميها من الشمس أو الليل.
معركة يومية
وتتحول الخيام المصنوعة من النايلون والقماش السميك إلى أفران مغلقة، إذ تتجاوز درجات الحرارة داخلها أحيانًا 37 إلى 40 درجة مئوية، ما يجعل البقاء فيها شبه مستحيل، في ظل احتباس الحرارة والرطوبة، وهو ما وصفته تقارير صحفية دولية بـ"الموت البطيء داخل غرف غاز حرارية".
وتتفاقم المأساة مع أزمة المياه الحادة، إذ تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن كميات المياه المتوفرة في المخيمات انخفضت إلى مستويات حرجة، ما يجبر العائلات، بمن فيهم الأطفال، على السير لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس للحصول على كميات محدودة من المياه.
ولا تقف المخاطر عند الحر والعطش، فانتشار البعوض والذباب داخل المخيمات أدى إلى إصابة الأطفال بأمراض جلدية، بينما تشهد مناطق النزوح انتشارًا للأفاعي والعقارب والفئران نتيجة تراكم الركام وتعطل شبكات الصرف الصحي، بحسب تقارير إعلامية متعددة.
ويحذر أطباء وعاملون في القطاع الصحي من تزايد الأمراض الجلدية والمعدية، إلى جانب ضربات الشمس والجفاف التي تهدد حياة الأطفال وكبار السن.
وأكد الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين يان إيجلاند، أن هذه الكارثة الإنسانية كان بالإمكان تجنبها، لولا استمرار الحصار وإغلاق المعابر، الذي يحول دون إدخال المساعدات الأساسية ومواد التظليل والأخشاب ومستلزمات النظافة.
ومع تدمير المنازل والبنية التحتية، تحولت مناطق مثل مواصي خان يونس ودير البلح إلى تجمعات هائلة للخيام تفتقر إلى المياه والصرف الصحي، لتغدو كل خيمة فصلًا جديدًا من معاناة لا تنتهي، وساحة يومية لصراع النازحين من أجل البقاء.
