اعتبر الكاتب البريطاني ديفيد هيرست أن إقالة المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان جاءت في إطار حملة سياسية وقانونية هدفت إلى تعطيل ملاحقة كبار المسؤولين الإسرائيليين على خلفية حرب الإبادة في قطاع غزة.
وأكد هيرست في مقال نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، أن إصدار مذكرات الاعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف غالانت شكّل أخطر تحرك دولي ضد دولة الاحتلال منذ اندلاع الحرب وهو ما تم التصدي له بإسقاط خان.
وقال هيرست، إن اسم كريم خان سيظل مرتبطاً بمذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانت، معتبراً أنها مثلت أبرز وأهم رد فعل اتخذه المجتمع الدولي تجاه الحرب في غزة، وأن هذا الإرث كان السبب الرئيسي وراء الحملة التي انتهت بإبعاده من منصبه.
وأضاف أن ردود الفعل التي أعقبت إقالة خان كشفت حجم الترحيب الإسرائيلي بالقرار، مستشهداً بتصريحات السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون، الذي كرر اتهامات سابقة بحق خان، وربط بين مذكرات الاعتقال التي أصدرها وبين مزاعم سوء السلوك الجنسي التي لاحقته.
إجراءات انتقامية ضد كريم خان
أشار هيرست إلى أن تلك المزاعم، بحسب تحقيقات نشرها موقع "ميدل إيست آي"، ظهرت بعد إعداد مذكرات الاعتقال بأسابيع، معتبراً أن ذلك ينفي الادعاءات القائلة إن خان استخدم الإجراءات القضائية للتغطية على الاتهامات الموجهة إليه.
ورأى أن الحملة لإبعاد خان امتدت على مدى نحو 18 شهراً، وشاركت فيها وسائل إعلام غربية وشخصيات سياسية، إلى جانب ضغوط دبلوماسية مباشرة، شملت تحذيرات من وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون، وتهديدات من أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، فضلاً عن خطوات اتخذتها جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية قبل انتهاء الإجراءات القانونية.
وقال هيرست إن دولة الاحتلال كانت، في السابق، تفضل ممارسة ضغوطها بعيداً عن الأضواء، مستشهداً بما روته المدعية العامة السابقة للمحكمة فاتو بنسودا عن تعرضها لضغوط وتهديدات من رئيس جهاز الموساد السابق يوسي كوهين بسبب التحقيق في القضية الفلسطينية.
لكنه اعتبر أن ما حدث مع كريم خان شكّل سابقة مختلفة، إذ جرى، وفق رأيه، الإعلان بصورة علنية عن الجهود الرامية إلى إبعاده.
وأضاف أن تقارير إعلامية تحدثت عن إرسال جهاز الموساد فريقاً إلى لاهاي لممارسة ضغوط على خان، ونقل رسائل إليه عبر محامٍ بريطاني، كما أشار إلى تصريحات لنتنياهو تحدث فيها عن استعداد نساء أخريات للإدلاء بشهادات ضد المدعي العام، معتبراً أن تلك التصريحات جاءت في سياق الحملة التي استهدفته.
تواطؤ دولي لمنع محاسبة الاحتلال
أكد الكاتب البريطاني أن مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة حقق في الادعاءات الموجهة إلى خان لأكثر من عام، وأنه توصل إلى عشرات النتائج دون أن يثبت، ارتكاب مخالفات ترتقي إلى سوء السلوك أو سوء السلوك الجنسي، مضيفاً أن لجنة مكونة من ثلاثة قضاة دوليين راجعت نتائج التحقيق وخلصت إلى أنها لا تثبت وجود إخلال بالواجب.
ورأى هيرست أن جمعية الدول الأطراف تجاهلت، بحسب رأيه، تقييم القضاة، واتخذت إجراءات انتهت إلى إقالة خان، معتبراً أن المؤسسة التي يفترض أن تحمي استقلال القضاء أعادت، عملياً، محاكمة القضية بصورة سياسية، وهو ما وصفه بأنه سابقة خطيرة في عمل المحكمة الجنائية الدولية.
وأضاف أن خان حُرم من الضمانات الإجرائية، مشيراً إلى أن أسباب الإقالة تغيّرت خلال سير الإجراءات، وأن القرار النهائي استند إلى اتهامات لم تُعرض عليه بالشكل الذي يتيح له الدفاع عن نفسه، كما اعتبر أن آلية التصويت داخل جمعية الدول الأطراف عُدلت بما يضمن تمرير قرار الإقالة.
وأشار الكاتب إلى أن المواقف من كريم خان انقسمت إلى ثلاثة اتجاهات؛ أحدها يرى أنه تعرض لاستهداف سياسي، والثاني يعتبره مذنباً، بينما يرى اتجاه ثالث أن أداءه كمدعٍ عام في ملف فلسطين كان مستقلاً ومهنياً، بغض النظر عن الاتهامات الشخصية التي أثيرت بحقه.
وأضاف أن مكتب الادعاء في المحكمة أعلن بعد إقالة خان استمرار عمله في جميع الملفات المفتوحة، بما فيها التحقيقات المتعلقة بأوكرانيا ودارفور وليبيا وأفغانستان، إلا أن هيرست اعتبر أن جميع التحركات المتعلقة بإسرائيل شهدت حالة من الجمود منذ مغادرة خان منصبه.
وقال إن طلبات لإصدار مذكرات اعتقال بحق وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير كانت جاهزة قبل مغادرة خان، لكنها لم تشهد أي تقدم لاحقاً، في حين لا تزال مذكرتا الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت نافذتين، بانتظار حسم الطعون القانونية المقدمة من دولة الاحتلال بشأن اختصاص المحكمة.
حملة ضغط أمريكية
أشار هيرست إلى أن الولايات المتحدة واصلت حملة الضغط على المحكمة الجنائية الدولية، مستشهداً بتصريحات لمسؤولين أمريكيين أكدوا استمرار العمل على تقويض المحكمة.
كما لفت إلى أن شخصيات ومنظمات مؤيدة لإسرائيل بدأت توجيه حملات ضد مسؤولين دوليين آخرين، من بينهم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز.
وأضاف أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لعب، بحسب تقارير إعلامية استشهد بها، دوراً دبلوماسياً بارزاً في حشد الدعم لإقالة خان، فيما رحب نتنياهو بالقرار، وأعلن أنه بحث مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو سبل مواصلة مواجهة المحكمة الجنائية الدولية.
ورأى الكاتب أن دولة الاحتلال لم تبذل جهداً مماثلاً لمواجهة تجديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، لأنها تعتبر أن قرارات الأمم المتحدة لم تعد تشكل تهديداً فعلياً، بينما كانت مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية تمثل تطوراً قانونياً غير مسبوق.
وختم هيرست مقاله بالقول إن إقالة كريم خان لن تمحو الأثر الذي تركته مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وأن تلك المذكرات ستظل مرتبطة باسمه، وأنها أرست، للمرة الأولى، مبدأ مساءلة أعلى المسؤولين الإسرائيليين أمام القضاء الدولي، وهو ما عدّه إرثه الحقيقي، بصرف النظر عن الجدل الذي أحاط بإقالته.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
