تكشف النقاشات التي تشهدها الساحة الإسرائيلية عقب تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، أن الانقسامات السياسية لا تمسّ جوهر المشروع الاستيطاني، بل تقتصر على طريقة إدارته.
فبينما تتبادل الحكومة والمعارضة الانتقادات بشأن سلوك المستوطنين، يواصل المشروع الاستيطاني توسعه بدعم سياسي وتشريعي وأمني، في مسار يرى مختصون أنه يستهدف فرض واقع يصعب التراجع عنه، ويقوض بشكل متسارع إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
ويرى مختصون في الشأن الإسرائيلي وقضايا الاستيطان أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة واصلت سياسات توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، فيما عززت التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر وتيرة تنفيذ مخططات قائمة منذ سنوات.
وأشار المختصون في أحاديث منفصلة لـ "وكالة سند للأنباء"، أن ذلك يأتي وسط تحذيرات من أن الواقع الذي يُفرض على الأرض يضيّق فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة، ويجعل أي تراجع عن السياسات الحالية أكثر تعقيدًا.
تسخير الإمكانيات لخدمة الاستيطان
ويوضح مدير العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، عبد الله أبو رحمة، أن ما يجري على صعيد الاستيطان يعكس وجود شبه إجماع داخل المنظومة الإسرائيلية، بمختلف مكوناتها، على دعم المشروع الاستيطاني في هذه المرحلة.
ويشير أبو رحمة، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تُعد "حكومة استيطان بامتياز"، موضحًا أنها سخّرت، منذ تشكيلها، جميع إمكانياتها لتعزيز التوسع الاستيطاني، ودعم المستوطنين، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، والعمل على شرعنتها.
ويضيف أن الدعم للاستيطان لا يقتصر على الحكومة، بل يمتد إلى الكنيست الذي أقر تشريعات تخدم المشروع الاستيطاني، وإلى السلطة القضائية التي لم تصدر أحكامًا توفر الحماية لممتلكات الفلسطينيين، أو تردع اعتداءات المستوطنين، أو تفضي إلى إزالة البؤر الاستيطانية، معتبرًا أن هناك "تواطؤًا قانونيًا وقضائيًا واضحًا".
ويشير إلى أن الجيش والشرطة أصبحا جزءًا من هذه المنظومة، موضحًا أن الشرطة لا تلاحق المستوطنين المعتدين، فيما يشارك جيش الاحتلال في الاعتداءات على الفلسطينيين، كما حدث في بلدة تل، حيث أطلق النار على المواطنين.
وتحمل المرحلة المقبلة، وفق ضيفنا، مؤشرات خطيرة، موضحًا أن الهدف في السابق كان السيطرة على المناطق المصنفة (ج) وتهجير التجمعات البدوية، بينما تطور الأمر اليوم إلى مهاجمة القرى، واقتحام المنازل، وإجبار السكان على الرحيل.
وفي خضم هذه التطورات، لا يملك المواطنون الفلسطينيون وخاصة المزارعين، خيارًا سوى البقاء في أراضيهم ومنازلهم، محذرًا من أن ذلك سيؤدي إلى تصاعد المواجهة وتأجيج الأوضاع في ظل استمرار اعتداءات المستوطنين.
ويرى أبو رحمة أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تحاول استغلال المرحلة الراهنة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاستيطانية، وتعقيد أي حل سياسي مستقبلي، بما في ذلك حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية.
وأصدر الاحتلال خلال الفترة الأخيرة أوامر عسكرية لشق طرق جديدة يصفها بأنها "أمنية"، لكنها تهدف إلى تقسيم القرى الفلسطينية، وتشديد الحصار عليها، وتعزيز السيطرة على الأرض، إلى جانب تسهيل حركة المستوطنين بين البؤر الاستيطانية والمستوطنات، وفق أبو رحمة.
خلاف على آليات التنفيذ لا الجوهر..
المختص في الشأن الإسرائيلي، شادي الشرفا، يرى أن الحديث عن وجود تباين جذري بين الأحزاب الإسرائيلية بشأن الاستيطان لا يعكس الواقع السياسي، مشيرًا إلى أن المعارضة الإسرائيلية تطرح نفسها بديلًا لإدارة الدولة والحكومة الحالية، لكنها لا تمتلك بديلًا استراتيجيًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولا سيما ملف الاستيطان.
ويوضح الشرفا، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الانتقادات المحدودة التي تصدر عن بعض أطراف المعارضة تجاه ما يجري في الضفة الغربية تبقى أصواتًا هامشية، وتنبع، بحسب رأيه، من الخشية على مكانة "إسرائيل" وصورتها أمام المجتمع الدولي، وليس من حرص على الحقوق الفلسطينية.
ويردف: "هناك شبه إجماع داخل إسرائيل على استمرار المشروع الاستيطاني، وأن قضية الضم تمثل خيارًا أساسيًا لدى التيار السياسي الإسرائيلي، وأن سياسات تهجير الفلسطينيين تشكل جزءًا من الفكر الصهيوني منذ قيام إسرائيل".
ويؤكد أن هذا التوجه لم يتغير، بل ازدادت وتيرة تنفيذه بعد أحداث السابع من أكتوبر، التي وفرت فرصة لتسريع تنفيذ مخططات كانت معدة مسبقًا، بحسب وصفه.
ويعكس ما يجري حاليًا في الضفة الغربية، بنود اتفاقيات الائتلاف الحكومي، التي تضمنت التوجه نحو فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية تمهيدًا لضمها، مؤكدًا أن ما يجري ليس إجراءات متفرقة، وإنما جزء من مخطط حكومي يُنفذ بصورة متواصلة.
أما الخلافات داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، إن وجدت، فيرى "ضيف سند" أنها تتعلق بوتيرة التنفيذ وآلياته، وليس بجوهر المشروع الاستيطاني، لافتًا إلى أن المستوطنين أصبحوا يشكلون جزءًا أساسيًا من القيادة السياسية الحاكمة، وبات لهم تأثير مباشر في رسم سياسات الحكومة وتوجهاتها.
ويؤكد أن التراجع عن واقع الاستيطان في الضفة الغربية بات أمرًا بالغ الصعوبة، موضحًا أن المشروع الاستيطاني شهد توسعًا متواصلًا عبر العقود، ولم يتراجع حتى في الفترات التي اتُّخذت فيها قرارات بإخلاء بعض المستوطنات، إذ لم تؤثر تلك الخطوات في الزيادة المستمرة لأعداد المستوطنين.
وشهدت الضفة الغربية خلال السنوات الماضية، إعادة تنظيم واسعة على المستويين الإداري والعسكري، ما يجعل من الصعب على أي حكومة إسرائيلية مقبلة التراجع عن الإجراءات التي اتُّخذت، وفق أبو رحمة، معتبرًا أن هذا المسار يقود إلى إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967.
ويعتبر أن الإشكالية الأساسية تتمثل في وجود شبه إجماع داخل المجتمع الإسرائيلي على تقليص الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، وتعزيز الاستيطان، مشيرًا إلى أن ما يجري لا يعكس قرارًا سياسيًا تتخذه الحكومة فقط، بل يعبّر أيضًا عن توجه مجتمعي واسع يدفع باتجاه اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد الفلسطينيين، ولا سيما في الضفة الغربية.
توافق واسع..
من جانبه، يرى المختص في الشؤون الإسرائيلية، ياسر مناع، ضرورة التمييز بين المشروع الاستيطاني بوصفه مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا تتبناه غالبية القوى السياسية في إسرائيل، وبين الجدل القائم حول سلوك المستوطنين وآليات تنفيذ هذا المشروع على الأرض.
ويوضح مناع، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن المشروع الاستيطاني، القائم على السيطرة على الأرض وتوسيع الاستيطان، يحظى بتوافق واسع بين الأحزاب الإسرائيلية، سواء لدى أحزاب اليمين أو الأحزاب المحسوبة على اليسار أو قوى المعارضة، مشيرًا إلى أن هذا المشروع يُعد جزءًا محوريًا من الرؤية الصهيونية الاستعمارية.
ويضيف: "الخلاف بين التيارات السياسية الإسرائيلية لا يتعلق بأهداف الاستيطان أو استمراره، وإنما يتركز حول سلوك المستوطنين".
ويتابع: "ترى بعض الأوساط في إسرائيل أن ممارسات المستوطنين، بما فيها اعتداءات ما يُعرف بفتية التلال، تسيء إلى صورة إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية ومتطورة، وقد تضر بمكانتها أمام المجتمع الدولي، بما قد ينعكس سلبًا على المشروع الاستيطاني نفسه".
وفي المقابل، يشير مناع إلى أن التيار اليميني يعتبر هذه الممارسات وسيلة لترسيخ الوقائع على الأرض، ويرى أن الضغوط التي يمارسها المستوطنون ضد الفلسطينيين تخدم أهداف المشروع الاستيطاني، في ظل ما وصفه بالدور الداعم الذي يوفره جيش الاحتلال لهذه التحركات.
ولم تختلف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما فيها حكومة بنيامين نتنياهو، في جوهر المشروع الاستيطاني، إذ استمرت سياسات مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، بحسب ضيفنا، معتبرًا أن الاختلاف يقتصر على أساليب التنفيذ، وليس على أهداف المشروع.
ويؤكد مناع، أن الانتقادات التي تُوجَّه إلى سلوك المستوطنين لا تنطلق، في تقديره، من اعتبارات أخلاقية أو من حرص على حقوق الفلسطينيين، وإنما من قناعة لدى بعض الأوساط الإسرائيلية بأن هذه الممارسات قد تضر بمصالح "إسرائيل" وتزيد الضغوط الدولية عليها، بما قد يدفع المجتمع الدولي إلى المطالبة بمنح الفلسطينيين حقوقًا لا ترغب إسرائيل في تقديمها.
