في غزة، تُقاس الأشياء اليوم بمعيار مفارقاتها؛ فالولاعة البلاستيكية الصغيرة التي كانت تُلقى هامشيًا بعد نفادها، تحوّلت في زمن الحرب إلى ثروة يُخشى عليها من الضياع.
هنا في هذه البقعة الجغرافية المنكوبة؛ بفعل الإبادة الإسرائيلية لم يعد سؤال الصباح بين الخيام: "ماذا سنطبخ؟"، بل كيف نقتنص شرارة نار واحدة تُحيي موقد النار لإعداد وجبة اليوم.
كنزٌ يُرمَّم على الرصيف
عند مفترق السرايا بمدينة غزة، يجلس الشاب محمود الكفارنة خلف بسطة متواضعة، يمارس مهنة لم يتخيل يومًا أن يتكسب منها يقول: "كنت أعمل قبل الحرب في الزراعة، واليوم أصلح الولاعات. في السابق كان الناس يرمونها بمجرد نفادها، أما الآن فقد أصبحت كنزاً صغيراً".

ويشير في حديث مع "وكالة سند للأنباء"، إلى أنّ القداحات التالفة لم تُعد تُلقى في القمامة، بل تُفكك قطعةً قطعة لاستخراج حجر الإشعال وعمود الشرارة والتروس الداخلية، ثم تُزرع في ولاعات أخرى لتبث فيها الحياة من جديد.
ورغم أن تكلفة إصلاح الولاعة تتراوح بين 10 و20 شيكلاً، إلا أنها تظل خياراً مجدياً مقارنة بشراء ولاعة جديدة قد يتجاوز سعرها 100 شيكل في السوق السوداء — إن وُجدت.
رحلة البحث عن شرارة
بالنسبة للأمهات، لا تبدأ رحلة إعداد وجبة اليوم بجمع الحطب والكرتون والبلاستيك فحسب، بل بالبحث المضني عن وسيلة لإشعالها.
تروي نسرين شحادة، وهي أم لأربعة أطفال، أن ولاعة واحدة قد تتشاركها نحو خمسين عائلة داخل مربع الخيام.
وتقول: "إذا تعطلت الولاعة، ننتظر حتى يشعل الجيران مواقدهم لنقتبس منها شعلة على قطعة كرتون ونعود بها إلى الخيمة"، مؤكدةً أن الحصول على أدوات الإشعال بات في كثير من الأحيان أصعب من توفير الطحين والمواد الغذائية.
فيما يشرح النازح محمود نوفل كيف قطع مسافة طويلة مشيًا على الأقدام لإصلاح ولاعته المتعطلة كي تتمكن زوجته من خبز الطعام للأطفال.

دفع محمود 10 شواقل مقابل تغيير الحجر وتعبئة الغاز وهو اقتطاع متكرر من قوت أسرته اليومي، لأن الولاعات لا تصمد طويلاً أمام استهلاك العائلات المترابطة.
ويلفت متهكمًا من الواقع المأساوي الذي يعيشه سكان القطاع: "قبل الحرب لم تكن لها أي قيمة، واليوم نحملها ونراقبها كأنها قطعة ذهب خوفًا من الضياع أو السرقة".
أزمة الولاعات في غزة ليس تفصيلًا عابرًا ولا نتيجة جانبية للحرب، بل هو تجسيد لسياسة الحرمان الممنهج التي تحوّل تفاصيل العيش البسيطة إلى معركة يومية يستنزف فيها الأهالي أوقاتهم.
فمنذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أدرج الاحتلال "الولاعات" وأعواد الثقاب ضمن قائمة طويلة من السلع المحظورة من الدخول إلى قطاع غزة.
وقبل الحرب، كان بإمكان المواطن شراء ثلاث ولاعات بشيكل واحد، أما اليوم فقد قفز سعر الواحدة إلى ما بين 50 و100 شيكل في السوق السوداء إن وُجدت بينما يتكلف إصلاحها ما بين 5 و20 شيكلاً.

وتشير بيانات قطاع التجارة إلى أن غزة كانت تستهلك سابقاً نحو ثلاثة ملايين ولاعة كل شهرين، بينما يعتمد السكان اليوم على أعداد شحيحة للغاية يجلبها بعض القادمين في أمتعتهم الشخصية.
ومع الشح الشديد في غاز الطهي الذي لا يدخل إلا بكميات شحيحة ومتقطعة تتكفّل بمنح الأسرة نحو 6 كيلوغرامات فقط كل ثلاثة أشهر، إضافة إلى الانقطاع التام للكهرباء، باتت مئات آلاف العائلات تعتمد كليًا على الحطب والكرتون والبلاستيك لإعداد طعامها، مما مضاعف الحاجة لأدوات الإشعال لتستهلك الأسرة الواحدة ولاعة جديدة كل أسبوعين تقريباً.
وقد حذرت وزارة التنمية الاجتماعية من أن غياب أدوات الإشعال الآمنة دفع النساء والنازحين إلى اعتماد أساليب بدائية وخطرة تُعرضهم لاستنشاق غازات سامة.
وفي هذا السياق، تساءل الإعلامي وليد نصار خلال مؤتمر المانحين في بروكسل عن جدوى التعهد بمليارات المساعدات لقطاع غزة في حين يُمنع عنه دخول أبسط أدوات الحياة كـ "الولاعة".
ورغم هذا الحصار الخانق، لم يتوقف الغزيون عن ابتكار وسائل للبقاء؛ فمنهم من يستعين بالعدسات المكبرة لتركيز أشعة الشمس وإشعال الأوراق الجافة، ومنهم من يولد شرارة كهربائية عبر بطاريات الهواتف التالفة أو شواحن أجهزة الإنارة، بينما تحتفظ عائلات كثيرة بجمرة مشتعلة داخل وعاء معدني طوال اليوم، تجنباً لخوض رحلة البحث عن ولاعة جديدة.
