لم يكن الشاب أحمد أبو سلمية يتخيل أن يبدأ فصلاً جديدًا من المعاناة مع أبسط تفاصيل الحياة اليومية، حين تعرضت نظارته لخدوش وكسر في إطارها البلاستيكي.
ذهب أحمد إلى مركز البصريات باحثاً عن بديل يناسب قياس عدسته القديمة، ليتفاجأ بباب مسدود؛ فالإطار المطابق للمواصفات غائب عن أرفف المراكز، وإن وجد بعد بحث شاق، فإن سعراً كان لا يتجاوز 50 شيقلاً في الظروف العادية، قفز ليصل إلى 200 شيكل أو يتجاوزه.
وقف أحمد حائراً أمام هذه الورطة متسائلاً بمرارة: "مجرد إطار نظارة بلاستيك.. ممكن يكون هيك سعره؟!".
ولا تقتصر مأساة أحمد على حاله، إذ تتقاسم المواطنة صبرين زكريا – وهي أم لثلاثة أطفال – الوجع ذاته.
تعرضت نظارة صبرين للكسر على يد طفلتها الصغيرة، فتوجهت إلى أخصائي البصريات لإصلاحها، لتتلقى الصدمة الأولى بأن إطار البديل يصل إلى 200 شيقل.
وحين خضعت لفحص نظر واكتشفت حاجتها الماسة لتغيير العدسات، تضاعف الهول؛ إذ بلغ سعر العدسات أربعة إلى خمسة أضعاف أسعارها ما قبل حرب الإبادة.
رجعت صبرين تجر ذيول الخيبة والعجز، قائلة: "من وين رح أدفع… خلص رح أدبر أموري هيك حتى لو بدون نظارة"، في مشهد يتكرر يوميًا مع مئات الغزيين الذين بات الإبصار بالنسبة لهم ترفاً باهظ الثمن.
وقصة أحمد وصابرين ما هي إلا مدخل قاسٍ تعصف تداعياته اليوم بقطاع البصريات برمته في قطاع غزة؛ قطاع يرزح تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية، والحصار الإسرائيلي المطبق، وإغلاق المعابر المتواصل، وشح إدخال المستلزمات الطبية واللوجستية الخاصة بالعيون والبصريات، لتصبح الكميات المتاحة شحيحة للغاية وتُباع بأسعار فاحشة تعجز عن تلبية الحد الأدنى لاحتياجات السكان المتزايدة.
أزمة إطارات وعدسات
في جولة ميدانية وتتبّع لواقع قطاع البصريات الذي يعاني الأمرين، يوضح أخصائي البصريات محمد أبو جبارة حجم كارثة الحصار المفروض على هذا القطاع الحيوي منذ اندلاع الحرب، مؤكدًا أنه منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يُسمح بدخول أي شحنة رسمية من إطارات النظارات أو العدسات والمستلزمات الطبية عبر المعابر بشكل رسمي ومكشوف إطلاقاً.
ويشير "أبو جبارة" لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن أصحاب مراكز البصريات واجهوا طريقًا مسدودًا، حيث إن البضائع الوحيدة التي تدخل السوق المحلي اليوم تأتي عبر طرق التهريب وبطرق غير رسمية، وغالباً ما تكون متعرضة للتلف أو التكسير، أو تُباع بأسعار خيالية للمستوردين.
وحول حجم الانهيار السعري ومقارنته بما قبل الحرب، يوضح بالأرقام كيف قفز سعر إطار النظارة العادي الذي كان يتراوح بين 50 إلى 200 شيقل كحد أقصى ليصل الحد الأدنى لسعر الإطار رديء الجودة مع العدسات إلى 150 شيقلاً فصاعدًا.
بينما ارتفعت أسعار أزواج العدسات الطبية العادية التي كانت تتراوح بين 40 إلى 50 شيقلاً لتسجيل أرقام فلكية وغير مسبوقة في ظل شح المعروض.
المبادرات البصرية الإغاثية
وفي قراءته لواقع المساعدات والمبادرات الإغاثية المطروحة، يضعنا "أبو جبارة" في صورة مشهد المحاولات والمشاريع المحدودة التي لم تفلح في ردم الهوة الواسعة، إذ تصطدم كل مبادرة بعقبات قاسية تزيد من تعقيد المشهد.
فعلى سبيل المثال، تعاقدت مبادرة "الفارس الشهم" منذ أكثر من شهرين مع مراكز البصريات لفحص وتوفير 10 آلاف نظارة طبية، ورغم مرور الوقت، لا تزال جموع المواطنين معلقة بانتظار استلام نظاراتها وسط تأخير مستمر.
في حين تعمل اللجنة المصرية على مشاريع نظارات تضطر فيها للأسف للاعتماد على المتاح بالسوق المحلي بأبخس الأسعار، مما ينتج عنه خامات رديئة وعدسات زجاجية وليست بلاستيكية، حتى للأطفال الذين هم في أمسّ الحاجة لخامات آمنة.
أما جمعية العطاء، فقد أطلقت مشروع فحص طبي تستهدف من خلاله جلب نظارات جاهزة من أمريكا، إلا أن الكميات تظل محدودة للغاية ولا تتجاوز 4 آلاف نظارة لكامل قطاع غزة، وهي أرقام ضئيلة جداً مقارنة بحجم الاحتياج الهائل.
تدمير البنية التحتية وغياب التجهيزات
وفي السياق ذاته، يكشف الدكتور محمد العشي، أخصائي البصريات بغزة، عن الواقع الكارثي لتدمير البنية التحتية والمختبرات؛ حيث فُقدت معظم مراكز التشخيص ومختبرات تصنيع العدسات، مما سلب القطاع القدرة على منع فقدان البصر الدائم وإدارة الحالات المزمنة.
ويوضح "العشي" لـ "وكالة سند للأنباء" أن المراكز تعاني من نقص حاد في التجهيزات الطبية والمخبرية الأساسية، مطالبًا بالسماح الفوري بإدخال أجهزة الفحص والقياس، وتجهيزات المختبرات الرقمية كأجهزة مسح وتجهيز العدسات الأوتوماتيكية وأجهزة اللينزميتر الرقمية، إلى جانب أدوات الصيانة والتعقيم والعدد الدقيقة الخاصة بالتركيب بما في ذلك البراغي وركازات الأنف واكسسوارات النظارات.
وتمتد الأزمة لتشمل المستلزمات الطبية والعدسات التخصصية والعلاجية الموجهة لحالات طبية معينة، مثل: كسل العين والحول، وإطارات النظارات الطبية والشمسية، والعدسات اللاصقة ومحاليل التعقيم، وعلب النظارات، إضافة إلى عدسات زرع داخل العين (IOLs) والعيون الاصطناعية لضحايا الإصابات، وفق "العشي".
ويحذر "ضيف سند" من أن هذا النقص القاسي وانعدام البدائل التخصصية يعيق استمرارية الخدمة ويحمل انعكاسات كارثية على المدى البعيد؛ إذ إن عدم التزام المرضى – وخاصة الأطفال والفئات التي تعاني من اعتلالات بصرية ق– بارتداء نظاراتهم وعدساتهم العلاجية في أوقاتها المحددة، يؤدي إلى تدهور متسارع وخطير في البصر قد ينتهي بفقدان تام للقدرة على الإبصار وعتمة أبدية.
هذا المحور الأخير يمثل الخاتمة القوية للتقرير، حيث ينتقل من مستوى المراكز الفردية والخاصة إلى مستوى مستشفى العيون الحكومي والأرقام الرسمية الصادمة التي تُلخّص حجم كارثة الإصابات والعمليات الجراحية، ليتوج التقرير بنداء إنساني ومهني ضاغط ومؤثر.
أرقام مفزعة.. واقع العيون بعد الإبادة
لا ينفك قطاع البصريات المأزوم عن الواقع الكارثي والبالغ الصعوبة الذي يمر به مستشفى العيون في قطاع غزة خلال مرحلة ما بعد الإبادة؛ إذ أكد رئيس المستشفى، الدكتور حسام داود، أن المستشفى تمكن بصعوبة بالغة من استعادة جزء من خدماته وترميم الأضرار وإصلاح بعض المجاهر الجراحية لرفع القدرة التشغيلية إلى ما بين 60 و70%, وذلك عبر مضاعفة ساعات العمل والعمل لفترة مسائية لثلاثة أيام أسبوعيًا بعد أن كان الدوام مقتصرًا على الفترة الصباحية الاعتياديّة.
ويشير في تصريح خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى الأرقام المفزعة التي تسلط الضوء على هول الكارثة الصحية؛ حيث سُجل نحو 17 ألف إصابة في العيون منذ بدء الحرب، وهو ما يمثل قرابة 11% من إجمالي الإصابات في القطاع، فيما يشكل الأطفال نحو 25% من مصابي العيون.
ويوضح "داود" أن أكثر من 1700 شخص فقدوا بصرهم كلياً أو جزئياً نتيجة الحرب، بينما يوجد ما بين 4 آلاف و5 آلاف شخص آخرين مهددين بفقدان البصر في ظل نقص العلاجات والأدوية.
وتراجعت القدرة الجراحية للمستشفى من 3 غرف عمليات رئيسية إلى ما يعادل غرفة وغرفة نصف فقط.
ويعود ذلك إلى النقص الحاد في الأجهزة الدقيقة ومجاهر الجراحة، وصولاً إلى تكدس قائمة انتظار عمليات المياه البيضاء لنحو 3 آلاف مريض، مع إجراء عمليات الشبكية وزراعة القرنية في أضيق الحدود لشبه انعدام المستهلكات، ومعاناة المرضى من غياب الأولوية في تحويلات العلاج الخارجي.
ويطالب "ضيوف سند" بضرورة الضغط العاجل لفتح المعابر لدخول المعدات الطبية والمخبرية ومنظومات الطاقة اللازمة لتشغيلها، وتسهيل وصول كافة المستلزمات البصرية الأساسية والمحاليل الطبية دون قيود، والاعتراف بالقطاع البصري كمكون أساسي وحرج في المنظومة الصحية يجب حمايته واستعادة العمل فيه، منعاً لحكم آلاف المرضى والأطفال بالظلام الدائم.
