ثلاث سنوات من الانتظار والأسئلة المفتوحة؛ عائلات فلسطينية في قطاع غزة ما تزال تجهل مصير أبنائها الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال خلال الحرب، فيما يحجب الاحتلال المعلومات عن مئات المعتقلين، ليبقى السؤال الأكثر قسوة معلّقًا: أين هم؟ وهل ما زالوا على قيد الحياة؟
وفي اليوم الدولي لضحايا الإخفاء القسري والذي يوافق اليوم الأحد 30 أغسطس/ آب، تعيد مؤسسات الأسرى الفلسطينية تسليط الضوء على ملف مئات المعتقلين من قطاع غزة الذين أبقى الاحتلال الإسرائيلي مصيرهم مجهولاً.
وأكدت "مؤسسات الأسرى" في بيان حصلت "وكالة سند للأنباء" على نسخة منه، أن ما يجري لا يمثل حالات فردية أو خللًا في إجراءات الاعتقال، بل نمطًا متواصلًا من الاختفاء القسري، يحرم المعتقل من الحماية القانونية ويضعه في عزلة كاملة عن العالم الخارجي، فيما يترك عائلته عالقة في دائرة الانتظار والخوف.
وشددت "مؤسسات الأسرى" أن استمرار الاحتلال في حجب المعلومات عن المعتقلين، ورفض الكشف عن أسمائهم وأماكن احتجازهم وأوضاعهم الصحية، وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم والجهات الحقوقية، لا يمثل مجرد انتهاك منفرد لحقوق المعتقلين، وإنما يشكّل منظومة متكاملة من التغييب القسري.
وتابعت أن الاحتلال يستخدم هذه المنظومة لتجريد المعتقل من الحماية القانونية، وتهيئة الظروف لارتكاب التعذيب وسوء المعاملة والجرائم الطبية وغيرها من الانتهاكات بعيدًا عن الرقابة والمساءلة.
جريمة محظورة قانونياً
ويحظر القانون الدولي الإخفاء القسري، وفق ما ورد في البيان الذي أكد أنه لا يمكن تبرير هذه الجريمة تحت أي ظرف، بما في ذلك الحرب أو النزاعات المسلحة.
وتعرّفه الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري باعتباره حرمانًا من الحرية يتبعه رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون.
ويقر القانون الدولي حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة ومصير ذويهم، وفي جبر الضرر والتعويض، فيما يصنّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاختفاء القسري، متى ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، كجريمة ضد الإنسانية.
ومنذ بدء جريمة الإبادة الجماعية على قطاع غزة، استخدمت سلطات الاحتلال أدوات قانونية وعسكرية لتثبيت هذه السياسة، من خلال احتجاز آلاف المدنيين دون ضمانات كافية، والاستناد إلى قانون "المقاتل غير الشرعي".
إضافةً إلى إنشاء معسكرات احتجاز خاصة، إلى جانب فرض قيود واسعة على وصول المحامين واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية إلى المعتقلين.
مصير مجهول
وتفتقر "مؤسسات الأسرى" إلى إحصائية دقيقة وشاملة لعدد الفلسطينيين المخفيين قسرًا في قطاع غزة، في ظل صعوبة حصر الحالات والتحقق من مصير المعتقلين والمفقودين.
وتُرجع الصعوبة في الحصول على إحصائية كافية لحجم الدمار والقتل والتهجير القسري واستهداف أو إعاقة فرق البحث والإنقاذ، إلى جانب سياسة الاحتلال المتعمدة في حجب المعلومات عن المعتقلين والمفقودين.
وبحسب المعطيات التي أعلنتها إدارة سجون الاحتلال حتى بداية آب/أغسطس 2026، بلغ عدد من صنّفتهم ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين" 1358.
فيما بلغ عدد الشهداء من معتقلي غزة الذين عُرفت هوياتهم لدى المؤسسات 53 من أصل 99 شهيدًا بين الأسرى والمعتقلين بعد الإبادة ممن عُرفت هوياتهم.
وتكشف مؤسسات الأسرى أن جريمة الإخفاء القسري لم تُمارس بصورة عشوائية أو بفعل تجاوزات فردية، وإنما جرى تثبيتها من خلال منظومة من الأوامر والتشريعات والممارسات العسكرية والقضائية، التي وفرت غطاءً لاحتجاز آلاف الفلسطينيين وإخفائهم.
وقد لعبت المنظومة القضائية للاحتلال دورًا في ترسيخ هذه السياسة، عبر التعامل مع قانون "المقاتل غير الشرعي" كإطار لاحتجاز معتقلي غزة، في الوقت الذي رفضت فيه سلطات الاحتلال الإفصاح عن معلومات كافية حول أعداد المعتقلين وهوياتهم وأماكن احتجازهم.
كما تقدمت مؤسسات حقوقية بالتماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للكشف عن هويات المعتقلين وأماكن احتجازهم، إلا أن هذه المسارات لم تنهِ سياسة الاختفاء القسري.
الإخفاء القسري أداة للتعذيب والقتل
ولا ينفصل تغييب المعتقل قسرًا عن العالم الخارجي، عن منظومة الانتهاكات التي يتعرض لها داخل أماكن الاحتجاز؛ إذ أن غياب المعلومات والرقابة القانونية والحقوقية يوفر بيئة مواتية لارتكاب الجرائم بعيدًا عن أعين العالم.
ووثقت المؤسسات، من خلال الإفادات والشهادات التي تمكنت من جمعها، أن معتقلي غزة تعرضوا لممارسات وحشية منذ لحظة اعتقالهم وخلال التحقيق ونقلهم إلى السجون والمعسكرات، وعلى رأسها التعذيب المنهجي، وسوء المعاملة، والجرائم الطبية، وهي ممارسات أدت إلى استشهاد العشرات من المعتقلين.
وفي هذا السياق، أنشأت سلطات الاحتلال معسكرات وأماكن احتجاز خاصة بمعتقلي غزة، من أبرزها معسكر "سديه تيمان".
إلى جانب معسكرات "عناتوت وعوفر ونفتالي" وإعادة افتتاح قسم "ركيفت" التابع لإدارة سجون الاحتلال في سجن الرملة وهو قسم يقع تحت سجن "الرملة"، وقد نقلت المؤسسات بعد أن تمكّنت من زيارة معتقلي غزة في هذه السجون، من الكشف عن شهادات وإفادات صادمة ومروعة.
غيَّبهم الموت..
وخلال السنوات الثلاث الماضية، كثّفت مؤسسات الأسرى جهودها للكشف عن مصير آلاف المعتقلين من قطاع غزة، في ظل غياب معلومات رسمية عن أماكن احتجازهم وأوضاعهم.
وفي العديد من الحالات، ردت سلطات الاحتلال بعدم توفر معلومات عن مصير مئات المفقودين، ما أبقى عائلاتهم في حالة من القلق والانتظار.
إلا أن مسارات قانونية وحقوقية لاحقة كشفت عن وجود معتقلين كانت سلطات الاحتلال قد نفت في وقت سابق اعتقالهم أو احتجازهم، كما أفضت بعض التحركات أمام المحكمة العليا الإسرائيلية إلى اعتراف جيش الاحتلال باحتجاز جثامين معتقلين فلسطينيين، دون تقديم معلومات واضحة بشأن تواريخ وفاتهم أو الظروف التي أحاطت بها.
وتبرز قضية الصحفي الفلسطيني إيهاب ذياب من قطاع غزة، مثالًا على مصير معتقلين ظل مجهولًا رغم المحاولات المتواصلة للكشف عنه.
فخلال الفترة الماضية، تابعت مؤسسات حقوقية قضيته، وتلقت ردودًا من سلطات الاحتلال تفيد بعدم توفر معلومات بشأن مصيره، قبل أن تتجه إحدى المؤسسات الحقوقية في الداخل المحتل إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالكشف عن مكان وجوده.
وأفضت المتابعة القانونية لاحقًا إلى الكشف عن أن جثمان ذياب كان محتجزًا لدى جيش الاحتلال، قبل أن تعلن المؤسسات في 9 أغسطس/آب 2026 عن استشهاده داخل سجون الاحتلال، دون تحديد تاريخ وفاته أو الظروف التي أحاطت باستشهاده.
وهنا تحولت رحلة البحث عن معتقل مجهول المصير إلى بحث عن حقيقة وفاة ظلت محجوبة عن عائلته لفترة طويلة.
إخفاء الجثامين امتداد لجريمة تغييب المصير
ولا تتوقف سياسة الإخفاء عند الأحياء؛ إذ تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين فلسطينيين من قطاع غزة، من بينهم معتقلون ارتقوا داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز، إضافة إلى استمرار احتجاز جثامين فلسطينيين آخرين في الثلاجات وفيما يُعرف بـ"مقابر الأرقام".
ويمثل احتجاز الجثامين ورفض تسليمها للعائلات انتهاكًا لحق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، وفي استعادة جثامين أبنائهم ودفنهم بما يحفظ كرامتهم الإنسانية.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف جدية بشأن ظروف الوفاة وأسبابها، كما تعرقل إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة. وفقاً للبيان.
مسؤولية دولية
ويضع استمرار الاختفاء القسري بحق المعتقلين الفلسطينيين، بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية، المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة، ولا سيما في ظل استمرار حرمان العائلات من أبسط حقوقها: معرفة مصير أبنائها ومكان وجودهم.
وعليه، تدعو مؤسسات الأسرى الفلسطينية المجتمع الدولي والأمم المتحدة وآلياتها الحقوقية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والخروج من مربع الصمت والإدانة الشكلية إلى إجراءات ملزمة تكشف مصير المختفين قسرًا.
ونادت بضرورة أن تضمن الأمم المتحدة الوصول الدولي والمحامين إلى المعتقلين، وتفتح تحقيقات مستقلة في جرائم الاخفاء والتعذيب والقتل، وتحاسب مرتكبيها، وتلزم الاحتلال بتسليم جثامين الشهداء المحتجزة.
واعتبرت أن الاكتفاء بالتوثيق والبيانات بينما تستمر الجرائم يجعل من هذه المنظومة شريكًا في إدامة غياب المساءلة.
وطالبت مؤسسات الأسرى بوقف جريمة الإخفاء القسري وكشف مصير المعتقلين، مؤكدةً أنه ليس مطلبًا إنسانيًا قابلًا للتأجيل، بل اختبار حقيقي لجدية المجتمع الدولي في إنفاذ القانون، وإنقاذ البشرية من مسار الإبادة المستمر.
