الساعة 00:00 م
الإثنين 31 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.03 جنيه إسترليني
4.2 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.45 يورو
2.98 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

أعياد الاحتلال في أيلول.. الأقصى يرزح تحت خطر تفجير جديد!

حين تصبح الخيمة سلاحًا.. كيف يُوظف الاحتلال "فتيات التلال" لخنق الضفة؟

حجم الخط
فتيات التلال 3
رام الله – وكالة سند للأنباء

للوهلة الأولى، لا يشبه المشهد الصورة التقليدية المرتبطة بالبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية؛ فتيات صغيرات السن بملابس دينية طويلة، يعشن فوق قمم التلال، يطبخن، ينظفن، يغزلن الصوف، يزرعن الأشجار، ويقمن بأعمال البناء اليدوي.

فيما تظهر تفاصيل حياتهن عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو أقرب إلى تجربة شبابية ريفية رحلة أو مخيم استجمامي هادئ.

لكن خلف هذه الواجهة الناعمة التي تُسوّق تحت شعارات "العمل المقدس" و"العودة إلى الجذور" يتشكل واحد من أخطر نماذج الاستيطان الرعوي والمدني الممنهج.

تقوم الفكرة على زرع مجموعة صغيرة من الفتيات فوق تلة فلسطينية استراتيجية، ثم تثبيت الوجود تدريجيًا، قبل إدخال الطرق والمياه والكهرباء والماشية واستقدام العائلات، لتحول النقطة الهامشية بمرور الوقت إلى سرطان استيطاني يصعب اقتلاعه، ضمن استراتيجية كبرى تستهدف إجهاض أي حلم بدولة فلسطينية وتكريس مشروع "إسرائيل الكبرى".

جغرافيا الخديعة..

تمثّل بؤرة "ماعوز إستير" و"أور أهوفيا" شمال شرق رام الله نموذجاً صارخاً لهذا المسار؛ فقد بدأتا كنقاط صغيرة فوق قمم التلال، وعلى الرغم من تعرض منشآتهما لعمليات هدم متكررة من قبل الإدارة المدنية الإسرائيلية، إلا أنهما أثبتتا قدرة فائقة على التجدد السريع وإعادة البناء بدعم خفي ومباشر من منظمات الاستيطان وحكومة اليمين المتطرف.

ولم يعد دور هؤلاء الفتيات مقتصرًا على البقاء المعزول داخل الخيام، بل انتقل إلى قلب المواجهة المباشرة مع المزارعين الفلسطينيين.

ففي محطات عديدة، وثقت تسجيلات مصورة قدمت فيها مستوطنات أنفسهن باعتبارهن من "فتيات التلال" وهن يقطفن ثمار الزيتون عنوة من أراضٍ فلسطينية خاصة في بلدات الضفة (مثل أراضٍ غرب بيت لحم)، وينشرن المقاطع بسخرية وتحدٍ على منصات التواصل الاجتماعي.

هنا بالذات، ينتقل الاسم من صقيع العزلة إلى خط النار الأول في معركة الأرض والمحاصيل.

استيطان ناعم.. وأدوات تدمير صامتة

يحذر مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، من خطورة هذه الظاهرة، معتبرًا أنها لا تمثل تجمعات شبابية عشوائية أو معزولة، بل تطوراً هيكلياً وممنهجاً في أدوات المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.

ويوضح داوود في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن خطورة هؤلاء تكمن في تقديم النشاط الاستيطاني بصورة مغايرة تماماً للنموذج العنيف المعتاد للمستوطنين، مستخدمين السكن والزراعة والرعي لتثبيت الجذور فوق الأرض، قبل الانتقال تدريجيًا إلى البنى التحتية وربط البؤر ببعضها كشبكة تحاصر القرى والبلدات الفلسطينية.

ويشير إلى أن البؤر لا تحتاج في بدايتها لعشرات المنازل، بل يكفي خيمة أو مسكن متنقل وعدد محدود من الشابات لتبدأ دائرة السيطرة بالتمدد.

ويؤكد داوود أن الزراعة والرعي هنا يؤديان دورًا خطيراً؛ إذ لا تقتصر السيطرة على مساحة الخيمة أو المزرعة، بل تمتد لتطوق المراعي والأراضي المحيطة بمساحات شاسعة.

ويحذر من أن الخطورة الأكبر تكمن في صناعة جيل جديد من المستوطنين يعتبر الاستيلاء على الأرض "نمط حياة" ومهمة مقدسة، مغلفاً أهدافه الاستعمارية بغطاء نسائي واجتماعي يهدف لتقطيع جغرافية الضفة الغربية وسلخها عن محيطها.

هندسة الخنق.. الرعي والزراعة كأذرع استيطانية

من جهته، يوضح الناشط في مقاومة الاستيطان بشار القريوتي أن المشهد الذي يبدأ بعدد محدود من الفتيات فوق جبل لا ينبغي قراءته بشكله الخارجي الساذج، بل بما يترتب عليه لاحقًا من ربط للمستوطنات وخنق للمدى الحيوي الفلسطيني.

ويُبيّن القريوتي لـ "وكالة سند للأنباء" أن النشاط الزراعي والرعوي هو الحربة الصامتة التي تضمن توسيع دائرة النفوذ بعيداً عن حدود المنزل أو الخيمة الأولى.

وفي السياق ذاته، يؤكد القيادي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا، أن ما تشهده الضفة هو امتداد لسياسة الاحتلال المستمرة منذ عام 1967، لكنها بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة بالاستغلال الكامل لظروف الحرب والغطاء السياسي لفرض مزيد من الوقائع الميدانية.

ويشير الخواجا لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن "فتيات التلال" يمثلن التجسد الحي لما يُعرف بـ«الاستيطان الناعم»، حيث تتكامل أدوار الزراعة البيئية، والإعلام الرقمي المؤثر، والعمل الاجتماعي لتكريس النتيجة الكبرى ذاتها التي تحققها المجموعات المسلحة: سلب الأرض الفلسطينية، تهجير التجمعات البدوية والريفية، وتعبيد الطريق بالكامل أمام مشروع السيطرة والتوسع.