الساعة 00:00 م
الأحد 06 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.5 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

هل تبدأ وزارة التعليم تطبيق تعديلات مناهج الثانوية فعليًا وما تفاصيلها؟

بين انعدام البدائل ومخاطر الحرق.. أزمة النفايات في غزة تهدد البيئة والصحة

بالفيديو والصور رغم الحرب ومرارة الحرب.. ألما الغوطي تختم القرآن في السابعة من عمرها

حجم الخط
ألما الغوطي
غزة – فاتن الحميدي – وكالة سند للأنباء

في قطاع غزة الذي اعتادت فيه الطفولة أن تُقاطعها أصوات القصف، اختارت الطفلة ألما الغوطي أن تصنع لنفسها موعدًا يوميًا مع الهدوء؛ تفتح المصحف، تحفظ آياته، ثم تمضي إلى يومها كما لو أن الحرب من حولها لا تستطيع انتزاع ما اختزنته في قلبها.

وقبل أن تتجاوز السبع سنوات، أتمت "ألما" حفظ القرآن الكريم كاملًا، بعد رحلة امتدت قرابة عام، تنقلت خلالها بين خيام النزوح، لتصبح قصتها أكثر من إنجاز لطفلة في عمرها؛ بل حكاية إصرار صغيرة في قطاعٍ أنهكته الحرب، وظل أطفاله يبحثون عن مساحات تحفظ لهم شيئًا من طفولتهم وأحلامهم.

ألما الغوطي، كما يصفها والدها السيد إسماعيل ليست مجرد طفلته الكبرى وأول فرحته، بل طفلة رقيقة تركت حضورًا خاصًا في قلوب من عرفها، وتمتلك منذ سنواتها الأولى شغفًا واضحًا بالتعلم والاستكشاف.

يقول والدها "الغوطي" لـ "وكالة سند للأنباء"، إنه كان شديد الملاحظة لاهتمام ابنته بما يقدمه لها من قصص الأنبياء والنبلاء والطبيعة والحيوانات، إلى جانب القراءة والكتابة والنسخ، قبل أن يتحول القرآن تدريجيًا إلى مساحة خاصة في عالمها الصغير.

بدأ تعلق "ألما" بالقرآن في سن مبكرة جدًا؛ فكانت تحفظ السور القصيرة منذ كان عمرها عاماً ونصف، فيما حرص والداها على تعريفها بالقرآن والحديث عنه أمامها وترغيبها فيه، حتى نما في داخلها ارتباط مبكر بكلام الله.

وعندما بدأت رحلة الحفظ الجاد قبل نحو عام، كانت "ألما" قد أتقنت القراءة والكتابة بمفردها، وهو ما ساعدها كثيرًا في الحفظ والمراجعة.

WhatsApp Image 2026-09-06 at 1.56.17 PM.jpeg


يُحدثنا والدها أنه ورغم أن البداية لم تكن سهلة، لطفلة لم تتجاوز السادسة من عمرها حينها، فإنها بدأت بخطوات صغيرة، لم تتجاوز في بدايتها صفحة واحدة يوميًا، بين تلقين في بادئ الأمر، ثم الاستماع الى كبار القُراء مثل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ "المنشاوي".

ومع مرور الوقت، تحولت الصفحة إلى صفحتين وثلاث، وأصبحت المراجعة والحفظ جزءًا ثابتًا من يومها تُنجزه قراءةً وحفظاً بنفسها، حتى وصلت إلى نهاية الطريق وأتمت ختم القرآن.

عثرات الطريق

لكن الطريق إلى الختم لم يكن محفوفًا بالهدوء وأساليب التشجيع المعتادة، فالحرب كانت حاضرة في كل تفاصيل حياة "ألما" وعائلتها؛ نزوح متكرر، وتفرق أفراد الأسرة في أكثر من مكان، وقصف متواصل، وغياب المدارس والمراكز الآمنة، إلى جانب اضطرارها إلى متابعة تعليمها ودروسها الخاصة ودوراتها التدريبية من داخل البيت.

ففي خيام النزوح بدأت "ألما" حفظ القرآن، يحكى لنا والدها أن طفلته "واصلت رحلتها رغم تبدل المكان والظروف، ومع آخر محطات النزوح، وجدت نفسها في بيت صغير وغير مهيأ للحفظ، لا توجد فيه مساحة معزولة يمكنها أن تنفرد فيها بكتابها ومراجعتها".

كان الحفاظ على تركيز طفلة في هذا العمر وسط ذلك كله تحديًا يوميًا -وفق والدها-؛ مستدركاً: "فنسمة هواء باردة كانت كفيلة أحيانًا بتشتيت انتباهها، فما بالك بأصوات إخوتها الصغار وحركتهم، وضيق المكان، والضغط النفسي الذي تفرضه الحرب على الجميع".

ويضعنا "الغوطي" أمام نور الطريق الأول حيث اعتمدت الأسرة على الله أولًا، ثم على "ألما" نفسها، فيما كانت والدتها صاحبة الدور الأكبر في تنظيم الرحلة ومتابعتها.

وبحكم تخصص الوالدة في اللغة العربية، تحولت الأم إلى معلمة "ألما" الأولى، فكانت تدرسها وتحفظها وتسمّع لها وتحفزها، وتتابع تفاصيل يومها وفق جدول وخطة وضعتها الأسرة للوصول إلى الهدف.

WhatsApp Image 2026-09-06 at 1.55.47 PM.jpeg


ويشير "الغوطي" إلى أنّ يوم طفلته لم يكن مخصصًا للقرآن وحده؛ فقد تنقلت خلاله بين تعلم العربية والإنجليزية، والخط والنسخ والرسم، والدروس والتدريب، إلى جانب مساحة لتمارس طفولتها باللعب والترفيه، لكن الحفظ والتسميع كانا يحتلان وقتًا محددًا من اليوم، بعيدًا عن العشوائية، مع تعديل الخطة كلما فرضت ظروف الحرب واقعًا جديدًا.

ويستذكر الوالد أيام الحفظ التي كانت تتبدل فيها مشاعر "ألما"؛ فأحيانًا تمتلئ بالحماس والنشاط، وأحيانًا تثقل عليها الدراسة والحفظ وضغط الظروف، وفي الأيام الصعبة، كانت الأسرة تحاول استعادة تركيزها وطاقتها، وتذكيرها بهدفها، حتى تعود إلى ما بدأت به.

سُورٌ في القلب

ومن بين السور التي أحبتها ألما وتعلقت بها سورة البقرة وسورة آل عمران، كما استوقفتها آيات قصة موسى عليه السلام، ولا سيما قوله تعالى: "وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه"، التي ظلت قريبة منها لكثرة سماعها وفهمها وتأثرها بصوت القارئ.

وكان لكل سورة أو جزء تحفظه احتفال صغير في قلبها؛ إذ يصف والدها فرحتها عند إتمام كل مرحلة بأنها كانت أشبه بفرحة من حقق أعظم إنجاز في حياته، "تطير فرحًا" بما أنجزته وتحتفي به من قلبها.

يقول والدها إن الحرب كانت أكبر التحديات التي واجهتها "ألما"، وإن القصف المستمر والأحداث المؤلمة تركت أثرًا نفسيًا بالغًا عليها وعلى جميع أفراد الأسرة.

وفي مواجهة ذلك، حاول الكبار أن يُظهروا أمام الأطفال أن الظروف، رغم قسوتها، لن تكون سببًا للتخلي عن أهدافهم، وأن عليهم الاستمرار في الدراسة والحفظ والتعليم.

لذلك لم تكتف الأسرة بتوفير المتابعة الدراسية، بل أحاطت "ألما" بالدعم النفسي والمعنوي والاجتماعي والمادي، وحاولت تحويل ظروف الحرب القاسية إلى دافع إضافي للتمسك بالقرآن والاستمرار في حفظه.

اللحظة المنتظرة

وبعد أشهر من الحفظ والمراجعة، جاءت اللحظة التي انتظرتها "ألما" وأسرتها طويلًا: لحظة الختم، والتي اختصرت عامًا كاملًا من التعب والمثابرة، لتعيد إلى الذاكرة تفاصيل الخيام والنزوح والبيت الضيق ورحلة التمسك بالقرآن.

عاشت الأم والأخوات تلك اللحظات بكل تفاصيلها، فيما كان الأب ينظر إلى ابنته وهي تصل إلى نهاية الطريق، مستعيدًا شريطًا طويلًا من الجد والاجتهاد والصبر.

ويصف السيد "إسماعيل" شعوره في تلك اللحظة بأنه أكبر من أن تصفه الكلمات؛ فبالنسبة له، لا يرى مكانة أرفع وأجمل لأبنائه من أن يكونوا قريبين من القرآن، حفظًا وتدبرًا وتعلمًا وعملًا.

ويضيف أن لحظة الختم كانت بالنسبة إليه لحظة "تحبس الأنفاس"، اختلط فيها الفخر بالسعادة والخشوع، وشعر خلالها بفضل الله وبركته على أسرته.

فلم تكن الطريق إلى الختم سهلة، لكن "ألما" واصلت؛ صفحةً تلو أخرى، وسورةً تلو سورة، بدعم وصبر أسرتها، وبإيمانٍ ترسخ لديها منذ سنواتها الأولى بأن القرآن رفيقٌ في كل حين وفي أصعب الأيام، ومصدرٌ للثبات حين تضيق الحياة.