الساعة 00:00 م
الأربعاء 09 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.08 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.5 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

حرب الروايات في "إسرائيل".. هل تُطيح أحداث 7 أكتوبر بنتنياهو لصالح "يمين بديل"؟

الخالدي: سنصنع بدائل للمواد الانتخابية في غزة إذا منع الاحتلال إدخالها

3 سنوات من الملاحقة والتشرد.. عمال غزة العالقون في الضفة يدفعون ثمن الحرب

حجم الخط
العمال الغزيين في الضفة والداخل المحتل.jpg
غزة/ رام الله - وكالة سند للأنباء

مع استشهاد العامل الغزي سعدي سعيد محمود مليحة في طولكرم، تعود إلى الواجهة من جديد حكاية مئات العمال من قطاع غزة العالقين في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب بعد إغلاق طرق العودة.

وبين جحيم الملاحقة والاعتقال ومرارة الفراق عن العائلات، يتجرع هؤلاء العمال سنوات من النزوح والتشرد بانتظار لحظة العودة ولقاء الأسر.

لم يكن محمد ظاهر يدري، حين غادر قطاع غزة متوجهًا إلى الداخل الفلسطيني المحتل قبيل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أن تلك الرحلة ستكون بداية قطيعة طويلة مع زوجته وأطفاله، وأن دربه المعتاد بحثًا عن لقمة العيش سيقوده إلى ثلاث سنوات من الخوف والترحال والتشرد.

حين اندلعت الحرب وهو هناك، تعطلت طريق عودته، فتحولت رحلته من السعي خلف الرزق إلى هروب دائم بحثًا عن ملاذ آمن يفلت به من يد الاعتقال والتنكيل الذي طال عمالًا غزيين سواه.

وبعد تنقلات مضنية بين القرى، استقر به المطاف عامًا كاملًا في أريحا، متخفيًا بحذر لتجنب الأنظار وهاجس الملاحقة الإسرائيلية الذي لا ينقطع.

خلفه في القطاع، ترك زوجته الحامل في شهرها الثالث مع طفليهما؛ ليجد نفسه ممزقًا بين غريزة النجاة وقلبه العالق هناك.

كانت "المرارة" عنوان أيامه وهو يقلب تفكيره بين زوجة تنزح بحثًا عن الأمان، وطفلين، ووالدين مسنين يشعر بمسؤوليته عنهما رغم العجز والمسافة.

لم تكن مكالماته الهاتفية مع عائلته سوى خيط رفيع للتشبث بالحياة، يتأرجح بين اتصال مسارع لنفي شائعة استشهاد أحد الأفراد، أو رسالة خوف قادمة من هناك تفيد بمداهمة واقتحام.

ورغم تعاقب السنوات، ظل يمنّي زوجته ذات الوعد: "قريبًا سنلتقي، إن شاء الله"، غير أن "قريبًا" امتدت ثقيلًا.

أكثر ما يوجع محمد ليس الفراق فحسب، بل تفاصيل الأبوة اليومية التي سُلبت منه؛ عجزُه عن معرفة ما يأكله أطفاله، أو حضور مرضهم، أو إعانة زوجته الشابة التي تحملت وحدها أعباء أسرة في الخامسة والعشرين من عمرها وسط حرب ونزوح قاهرين، ليتحول هو من أب حاضر إلى مجرد صوت عابر يأتيهم عبر سماعة الهاتف.

قصة محمد ظاهر ليست استثناءً؛ فهي مرآة لمئات الحكايات لعمال غزيين تفاجأوا باندلاع الحرب وهم خارج القطاع، فأُغلقت دونهم دروب العودة ليجدوا أنفسهم نازحين في قرى الضفة الغربية ومدنها، بعيدًا عن أطفالهم وبيوتهم.

لم يغادر هؤلاء غزة هربًا أو طلبًا للنزوح، بل سُمّدت رحلتهم بعرق الكدح والبحث عن لقمة العيش، فإذا بالحرب توصد الباب خلفهم وتزجّهم في أتون انتظار طويل، يتجاذبهم فيه خوف الاعتقال وهاجس الأمان، مع عجز تام عن الوصول إلى العائلات.

قتل متعمد

يحذر نقيب العمال الفلسطينيين، سامي العمصي، من أن العمال يدفعون كلفة باهظة جراء الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف حركتهم وفرص عملهم، مشيرًا إلى أن السعي لتأمين قوت الأسرة بات يواجه أخطاراً تمتد من فقدان الوظيفة وصولًا إلى الملاحقة والاعتقال والاعتداء.

ويوضح العمصي لـ "وكالة سند للأنباء" أن استشهاد العامل أسعد مليحة الذي عُثر على جثمانه داخل مقر لجنة زكاة طولكرم إثر اقتحام إسرائيلي، يجسد هذه المخاطر الجسيمة؛ إذ أجبرت قوات الاحتلال عددًا من العمال والنازحين على مغادرة المكان واعتقلت آخرين واقتادتهم لجهة مجهولة، بينما لا تزال ظروف الاستشهاد قيد المتابعة.

وفي قراءة لأبعاد الأزمة، يلفت العمصي إلى أن نحو 20 ألف عامل كانوا يبيتون خارج قطاع غزة عشية السابع من أكتوبر 2023، ضمن أعداد غفيرة كانت تعمل داخل الأراضي المحتلة، مع غياب إحصائية رسمية نهائية بسبب حركة العمال المستمرة وعمليات الإعادة على مراحل، فضلاً عن انتقال آخرين داخل الضفة الغربية.

ويؤكد أن الاحتلال تعمد استخدام ملف العمل أداة ضغط عبر إغلاق الأسواق وفرض قيود مشددة، مما ألقى بآلاف العمال في أتون النزوح واللجوء إلى مراكز الإيواء والمقرات بعيداً عن أسرهم.

ويشدد نقيب العمال على أن مليحة "ليس طرفًا في الصراع"، بل إنسان يبحث عن رزق عائلته، وما جرى يفرض إعادة نظر جذرية في آليات حماية العمال.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يشير إلى أن القيود أغلقت سوق العمل أمام الغالبية، في وقت أظهرت فيه بيانات الربع الرابع من عام 2025 وجود نحو 51 ألف عامل فلسطيني سابقًا في "إسرائيل" والمستوطنات.

 

ويُشدد أن معالجة أزمة العمال تستوجب تحركًا عمليًا يتجاوز الإدانة والتوثيق، يشمل حصرًا دقيقًا للمتضررين، وتوفير بدائل عمل ومظلة حماية اجتماعية، وضمان سلامة العمال وحقوقهم، داعيًا الجهات الرسمية والنقابات والمؤسسات الدولية لتحمل مسؤولياتها وحماية أسر العمال من تبعات الانهيار الاقتصادي وتداعيات الحرب.

ملاحقة متواصلة

بدوره يؤكد الأمين العام لاتحاد العمال الفلسطينيين، شاهر سعد، أن نحو ألف عامل غزي عجزوا عن العودة لقطاع غزة منذ انطلاق أحداث السابع من أكتوبر، ليجدوا أنفسهم محاصرين بأوضاع بالغة القسوة وتنقلات مضنية بين المدن والقرى بحثًا عن ملاذ آمن.

ويوضح سعد لـ "وكالة سند للأنباء" أن هؤلاء العمال يعيشون دوامة مستمرة من عدم الاستقرار والخوف من الاعتقال والتنكيل أو الترحيل، مما فاقم مأساتهم الإنسانية والنفسية يومًا بعد يوم.

وسلط الضوء على جريمة قتل العامل في طولكرم صباح أمس، مبينًا أنه حاول الاختباء داخل مخزن للمصعد خشية ملاحقة قوات الاحتلال، ليُعثر عليه هناك ويُقتل بدم بارد.

ويلفت سعد إلى أن هذه المأساة تتكرر فصولها مع آلاف العمال الذين "ينامون نوم الذئب بعين نائمة وأخرى ساهرة" وسط ترقب وقلق دائمين على مصيرهم.

ويفيد باعتقال العشرات والمئات خلال الفترة الماضية، فضلًا عن آلاف المعتقلين منذ بداية الحرب ممن كانوا على رأس عملهم.

ويُبيّن أن إفادات العمال المفرج عنهم بشأن ما تعرضوا له من تعذيب وتنكيل ومعاملة قاسية قد ألقت بظلالها الثقيلة على الحالة النفسية لمن تبقى طليقًا تحت وطأة الخوف المستمر.

ويجدد التأكيد على ضرورة توفير حماية دولية وعمالية عاجلة تحفظ حقوقهم الإنسانية وتمنع تعرضهم للبطش والتشريد.