الساعة 00:00 م
الإثنين 14 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.1 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.52 يورو
3.03 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

تعتيم إعلامي غير مسبوق واقتحامات واسعة لـ "الأقصى".. ماذا يحاك تحت ستار الأعياد؟

بالصور حين تصبح الكرة حياة.. كيف يعيد مبتورو غزة تعريف أحلامهم على عكازين؟

حجم الخط
كرة القدم للمبتورين.jpg
غزة - فاتن الحميدي - وكالة سند للأنباء

لم تكن كرة القدم يومًا خطرت في بال منة عاشور، الفتاة ذات الـ 13 عامًا، التي ألفت أن تسكب شغفها في تفاصيل الحرف اليدوية، إلى أن جاء القصف الإسرائيلي ليقلب حياتها رأسًا على عقب، ويتركها وشقيقها فايز مبتوري القدم.

غير أن عتمة الفقد لم تكن سوى عتبة لحكاية أخرى؛ ففي أزقة أحد مخيمات النزوح، قاد القدر خطى "منة" وشقيقها نحو "جمعية فلسطين لكرة القدم البتر"، لتجد الفتاة نفسها أمام رياضة لم تختارها يومًا، لكنها تحولت سريعًا إلى مساحة دافئة تستعيد فيها ثقته بنفسها، وتتخلص تدريجيًا من شعور الاختلاف عن أقرانها، فيما وجد شقيقها في المستطيل الأخضر فرصة ذهبية لبعث حلم قديم كاد البتر أن يطفئه.

هذه التحولات الفردية التي عاشتها "منة" و"فايز"، تقف خلفها مساحة رياضية تحاول "جمعية فلسطين لكرة القدم البتر" تحويلها إلى مشروع أوسع للمبتورين في قطاع غزة.

رياضة.webp
 

يقول مؤسس ورئيس الجمعية، فؤاد أبو غليون، إن المشروع يستهدف الأشخاص الذين تعرضوا للبتر في حرب الإبادة الحالية، وكذلك من سبق أن تعرضوا له في حروب سابقة، من الأطفال والفتيات والشباب والسيدات، عبر تدريبهم على كرة القدم.

ويوضح أبو غليون لـ "وكالة سند للأنباء"، أن كرة القدم للمبتورين لها اتحاد دولي وآخر آسيوي، وأن الجمعية تعمل في غزة بوصفها الجهة التي تجمع الممارسين الفلسطينيين لهذه اللعبة، انطلاقًا من ضرورة إشراك مختلف فئات المجتمع في الرياضة.

وبعد الحرب، استأنفت الجمعية تدريبات فريق الفتيات، وبدأت التواصل مع اللاعبات للعودة إلى التدريبات والاستعداد للمشاركات الخارجية، في حال فتح المعابر وإتاحة إمكانية السفر.

ولا تقتصر أهداف التدريبات على المنافسة، وفق "أبو غليون"، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي والصحي، إذ تُمثل الرياضة مساحة للتفريغ النفسي، واستعادة الثقة، والحفاظ على اللياقة الجسدية للمبتورين.

ويبلغ عدد المشاركين في لعبة كرة القدم للمبتورين أكثر من 75 لاعبًا بالإجمال، بعدد أطفال يتجاوز 60 طفلًا وطفلة موزعين في أنحاء القطاع، أما الفتيات الكبيرات، فتضم المجموعة المنتظمة نحو 15 فتاة، يتدربن مرة أسبوعيًا، على ملعب "العنان" في دير البلح وسط قطاع غزة.

ويشير "أبو غليون" إلى أن الأعداد الفعلية أكبر من ذلك، لكن محدودية الإمكانيات تحول دون الوصول إلى جميع من يحتاجون إلى ممارسة اللعبة.

مساحة لاستعادة الجسد والثقة

يرى "أبو غليون" أن تجربة الفتيات تختلف عن الشباب؛ فالكثير من الشباب سبق أن مارسوا كرة القدم قبل الحرب، ما يجعل اندماجهم في اللعبة أسرع، بينما تبدأ الفتيات في حالات كثيرة من الصفر، بدنيًا ونفسيًا.

وتمنح التدريبات الفتاة المبتورة فرصة لإعادة بناء قدرتها الجسدية، وفي الوقت نفسه استعادة ثقتها بنفسها وشعورها بقيمتها وقدرتها على المشاركة.

كما أن الرياضة، وفقه، ضرورة صحية للمبتورين؛ لأن البقاء في المنزل وقلة الحركة قد يؤثران في وضعهم الجسدي، بينما تساعد ممارسة الرياضة على الحفاظ على الجسم وتحسين القدرة على الحركة.

WhatsApp Image 2026-09-12 at 11.15.54 PM.jpeg
 

رحلة جديدة من قلب المخيمات

تقول والدة "منة" إنَّ ابنتها تذهب إلى الجمعية يومين أسبوعيًا؛ يومًا للسباحة وآخر لكرة القدم، لافتةً إلى أن تسجيلها وشقيقها جاء خلال فترة النزوح، بعدما شجعت العائلة إمكانية توفير المواصلات ذهابًا وإيابًا، في ظل صعوبة التنقل والظروف القاسية التي يعيشها النازحون.

في البداية، لم تكن "منة" ترى نفسها في الرياضة، لكن وجودها بين فتيات مررن بتجارب مشابهة غيّر نظرتها إلى ذاتها، وفق ما تقول والدتها لـ "وكالة سند للأنباء".

ومع الوقت، بدأت تكتشف أن فقدان القدم لا يعني فقدان القدرة على الحركة أو الحياة، تشير والدتها إلى أنّ نفسيتها تحسنت كثيرًا، خاصةً بعدما رأت فتيات تعرضن لبتر أكبر وأصعب، فشعرت أن ما مرت به يمكن تجاوزه، مقارنةً بآلام أكبر مقارنة بغيرها.

ولم تكتفِ "منة" بالتدريب؛ إذ أصبحت تساعد الفتيات الأصغر منها في السباحة، وتجد في ذلك متنفساً لها، ومساحة لتقديم الدعم لمن يواجهن تجربة الفقد نفسها.

من بركة السباحة إلى ملعب كرة القدم، بدأت منة تستعيد شيئًا من حياتها التي تغيرت بالقصف، فيما كان شقيقها فايز، البالغ (25 عامًا)، يستعيد حلمًا قديمًا ظل متعلقًا به منذ طفولته.

فايز.. إصرار يتحدى البتر

كان فايز عاشقًا لكرة القدم منذ سنواته الأولى؛ لعب في فريق المدرسة، ثم في الطرقات وبين الأطفال، قبل أن يضع البتر حدًا لحلمه في مواصلة اللعب بالطريقة التي اعتادها.

لكن بعد سنوات من ارتباطه بالكرة، لم يقبل فايز أن يكون البتر إعلانًا لنهاية علاقته بها.

يقول "فايز" لمراسلتنا إن الأمر كان صعبًا في البداية، خاصة الركض والتدريب بعكاز وقدم واحدة، قبل أن يعتاد جسده على الحركة ويصبح التدريب أكثر سلاسة.

WhatsApp Image 2026-09-12 at 11.13.14 PM.jpeg
 

ومنذ نحو خمسة أشهر، بدأ فايز وشقيقته تدريباتهما في الجمعية، وتحديدًا منذ شهر أبريل/ نيسان الماضي، ليكتشف أن خسارته شيئًا لم تمنعه من ربح شيء آخر.

ويتابع مستدركًا: "لئن سلبني القدر شيئًا فقد منحني ما هو أبعد؛ فلولا البتر، ما عُدتُ لأرتدي قميص الفريق، وما شاركتُ في دوريات وتحديات قد تقودني قريبًا إلى منصات المونديال والمحافل الدولية".

أزمات تتوالى

تأتي هذه الجهود في وقت تشير فيه آخر حصيلة لوزارة الصحة في قطاع غزة إلى تسجيل نحو 6 آلاف حالة بتر أطراف خلال عامين من الإبادة الإسرائيلية حتى ديسمبر/ كانون الأول 2025، وسط تأكيدات على حاجة المصابين الملحة لبرامج تأهيل "عاجلة وطويلة الأمد".

ويأتي ذلك في ظل واقع قاسي يعيشه نحو 2.4 مليون فلسطيني في القطاع ممن يواجهون ظروفاً إنسانية كارثية، وغالبيتهم من النازحين الذين فقدوا منازلهم ويقيمون في خيام بالية تفتقر لأبسط وسائل التدفئة والمستلزمات الأساسية.

ومع تدمير الاحتلال وتضرره الواسع لأكثر من 90% من المنشآت والملاعب والمراكز الرياضية في القطاع، لم تعد الخيارات المتاحة أمام الرياضيين كثيرة. كما تسببت ظروف النزوح المتكررة وتدهور الأوضاع الإنسانية في تعطيل الأنشطة الرياضية والتدريبات المنتظمة.

ويقول "أبو غليون" إنَّ الجمعية اختارت منطقة دير البلح لتكون نقطة تجمع للفتيات، باعتبارها منطقة وسطى يمكن أن تصل إليها لاعبات من جنوب القطاع ووسطه وشماله، مع توفير المواصلات لهن في ظل ارتفاع تكاليف التنقل.

WhatsApp Image 2026-09-12 at 11.13.01 PM.jpeg


 

ولا تتوقف الصعوبات عند المواصلات؛ فالجمعية تواجه نقصًا في العكاكيز والأدوات المساعدة والملابس الرياضية، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار المعدات.

ويضرب أبو غليون مثالاً بالكرة المستخدمة في التدريب، قائلاً إن سعرها كان يتراوح سابقاً بين 70 و120 شيكلاً، بينما وصل اليوم إلى نحو ألف شيكل، ما يجعل توفير أبسط مستلزمات اللعبة تحدياً بحد ذاته.

ويبقى الأمن والقيود المفروضة على حركة التنقل والسفر من أكبر العقبات أمام تطوير اللعبة وحرمان الرياضيين من المشاركة في البطولات والمعسكرات الخارجية، وهو ما يصطدم باستمرار إغلاق المعابر.