في غزة، وبعد ثلاثة أعوام من الانتظار، يبدو أن إزالة الركام لم تعد الأمر الأكثر استحالة؛ تصل الآليات أخيرًا إلى الأبنية التي ظلت طوال سنوات قبورًا إسمنتية مغلقة، تُرفع الكتل الثقيلة واحدة تلو الأخرى، وتنفتح فجوات صغيرة نحو ما بقي من ليلة توقفت عندها حياة عائلات كاملة.
لكن ما بدا مستحيلًا طوال سنوات، يصبح أقل قسوة من سؤال آخر يواجه الناجين: كيف تتعرف إلى إنسان كنت تعرفه بالأمس كما تعرف وجهك، حين لا يبقى منه ما يدل عليه؟
لا شيء يشبه الأمس
في منطقة التاج وسط مدينة غزة، لا شيء يشبه الأمس؛ فلا الشقق التي كانت تعج بأهلها بقيت على حالها، ولا الممرات، ولا أصوات الأطفال، ولا الوجوه التي كان الجيران يحفظونها واحدًا واحدًا.
كل ما بقي شاهدًا على تلك الليلة هو ركام سبعة طوابق هوت فوق ساكنيها دفعة واحدة، وما يخرج اليوم من باطنها ليس سوى بقايا رفات، وقطع ملابس، وأشياء صغيرة كانت يومًا جزءًا من حياة كاملة.
وهنا، قد تكون قطعة قماش أكثر قدرة من الملامح على التعريف بصاحبها، وقد تتحول رضاعة صغيرة أو مصاصة طفل إلى الدليل الأخير على أن طفلًا كان يعيش هنا، ينام ويبكي ويلهو، قبل أن يختفي تحت الإسمنت.
إلى جوار البرج، يقف الزميل الصحفي محمود هنية مع عشرات العائلات، ثلاثة أعوام مضت، لكنه يقف في المكان كأن تلك الليلة لم تنته بعد؛ عيناه معلقتان بكل حجر ترفعه الآلية، وبكل إشارة تصدر عن الشبان الذين يعملون بين الركام؛ وفجأة يعلو الصوت: "وقف.. وقف!". تتوقف الآلية؛ فالإشارة معروفة للجميع؛ ثمة جثمان ظهر بين الأنقاض.
يتقدم الشبان بحذر، وتبدأ عملية الانتشال؛ ويقترب الأهالي، لكن الاقتراب لا يمنحهم إجابة؛ هنا تتكرر الأسئلة الثقيلة: من هذه؟ ومن ذاك؟ ولمن تعود هذه الملابس؟ وحين تعجز العيون عن التعرف إلى أصحابها، تبدأ الهواتف بالعمل؛ "ما آخر ملابس كانت ترتديها؟"، و"أين كانت تجلس لحظة القصف؟"، و"هل كان معها خاتم؟"، و"ماذا كان يرتدي الطفل؟".
يتحول التعرف إلى عملية جمع لتفاصيل صغيرة من حياة انتهت قبل ثلاثة أعوام؛ لون قميص، قطعة قماش، مكان نوم، أو غرض شخصي ربما نجا وحده ليحمل اسم صاحبه.
يقول الزميل محمود لـ "وكالة سند للأنباء"؛ إنّ "بعض الرفات تجد اسمًا، وبعضها يبقى مجهولًا، وتتوالى الجثامين خارجة لتُصف الواحدة إلى جوار الأخرى، فيما تتنقل العائلات بينها باحثة عن علامة واحدة تعيد لكل جسد اسمه؛ ثم يتوقف الجميع عند شيء صغير".
"كوتة" طفل
"كوتة" طفل صغير بقيت مطمورة تحت سبعة طوابق، وفي داخلها بقايا ألعاب، ورضاعة، ومصاصة، وأشياء لا تحتاج إلى خبير ليعرف أنها كانت لطفل لم يبدأ حياته بعد.
هنا، عرف محمود؛ إنه عبيدة، طفله الذي كان يبلغ من العمر عامًا وشهرين فقط، ثلاثة أعوام ظل الأب ينتظر العثور عليه؛ كان يتخيل أنه سيجد شيئًا منه في زاوية من الركام؛ قطعة ملابس، عظمة صغيرة، أي أثر ينهي ذلك السؤال المفتوح منذ ليلة القصف.
يحكي "محمود" بحسرة: "المشهد أعاده فورًا إلى تلك الليلة؛ إلى طفل صغير لا يعرف شيئًا عن الحرب، وإلى أم كانت على الأرجح تحاول أن تجعله ينام قبل انهيار الطوابق فوقهما".
يحدق محمود في الكوتة ويتساءل بألم: "أي ذنب كان يرتكبه طفل في عامه الأول حتى تهدم فوق رأسه سبعة طوابق؟".
لم يكن عبيدة يحمل سوى رضاعته ومصاصته، ولم تكن أمه الزميلة الصحفية دعاء شرف تفعل أكثر من محاولة تنويم طفلها.
وما عاناه محمود هنية في برج التاج ليس سوى فصل واحد من حكاية أوسع، تتكرر مآسيها مع كل منزل يُنتشَل من تحت الركام في مختلف أنحاء القطاع.
مشاهد قاسية من الميدان
رئيس قطاع الشؤون الإنسانية في الدفاع المدني بقطاع غزة، محمد المغير، يقول إن الجثامين التي تنتشلها طواقم الدفاع المدني تكشف جانبًا قاسيًا من حجم ما تعرض له السكان خلال الحرب، مؤكدًا أن الحالة التي يعثر عليها فيها تعكس شدة القصف وطبيعة الدمار الذي طال المدنيين.
وأوضح المغير، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن طواقم الإنقاذ لا تتعامل في كثير من المواقع مع جثامين يمكن التعرف إليها بسهولة، وإنما مع بقايا متحللة أو أجزاء من جثامين ظلت مدفونة لفترات طويلة تحت آلاف الأطنان من الركام.
ويضيف: "ما نستخرجه من جثامين هو انعكاس لفداحة ما ارتكبته دولة الاحتلال من حرب دامية وإبادة كاملة".
ويشير إلى أن المشاهد شديدة القسوة؛ فبعض الجثامين يُعثر عليها محاصرة بين الكتل الخرسانية والجدران، وأخرى عالقة بين أسياخ الحديد والخرسانة المسلحة، ما يجعل انتشالها عملية معقدة تتطلب وقت وجهداً كبيرين، فيما يصعب في حالات عديدة التعرف إلى هوية الضحايا بالوسائل التقليدية، الأمر الذي يضع العائلات أمام مهمة مؤلمة.
ومن بين المشاهد الأكثر إيلامًا العثور على أعداد كبيرة من الأطفال والنساء وكبار السن، إذ ضرب المغير مثالاً بما واجهته الطواقم في برج التاج، حيث قادت عمليات البحث في "بدروم" أحد المباني إلى انتشال جثامين نحو 35 طفلًا كانوا موجودين داخله وقت الاستهداف؛ فقد كان الأهالي ينظرون إلى الطابق السفلي باعتباره مكانًا أكثر أمانًا، فتجمعوا فيه للهو والاحتماء من القصف، قبل أن يتحول المكان إلى واحد من أكثر المشاهد قسوة.
ويؤكد أنّ مهمة الدفاع المدني لا تقتصر على إزالة الركام، بل تشمل التعامل بحذر شديد مع بقايا الجثامين للحفاظ عليها قدر الإمكان ومساعدة العائلات على التعرف إلى أصحابها، مشدداً على أن مرور فترات طويلة يزيد الصعوبة بسبب تحلل الجثامين أو امتزاج الرفات بالركام والحديد ومتعلقات المنازل.
