في صيف غزة، لا يقتصر خطر النزوح على فقدان المنازل وقسوة العيش، بل يتسلل الأذى صامتًا من بين الرمال وتحت الأغطية؛ فمع ارتفاع درجات الحرارة وتراكم الركام والنفايات، يواجه آلاف النازحين في الخيام عدوًا جديدًا يهدد حياتهم وحياة أطفالهم: العقارب، والأفاعي، والزواحف التي وجدت في البيئة المتهالكة والناتجة عن دمار الحرب مأوىً لها، لتتحول خيام الإيواء من مساحات للحماية إلى فخاخ مكشوفة تهدد السلامة العامة.
لقد أحدث الدمار الواسع الذي خلفته الحرب وتجريف المساحات الزراعية تغييرًا جذريًا في البيئة الطبيعية للقطاع؛ إذ وفرت كميات الركام الهائلة ومكبّات النفايات وتراكم مياه الصرف الصحي بيئة خصبة لاختباء القوارض والحشرات وتكاثر الأفاعي والعقارب.
ومع ارتفاع درجات الحرارة صيفًا، تخرج هذه الكائنات بحثًا عن المأوى والماء، لتقتحم خيام النازحين المنتشرة في العراء، لاسيما في ظل افتقار غالبيتها للحواجز الأرضية المحكمة، وغياب وسائل الوقاية والمبيدات اللازمة للمكافحة.
بين المقابر والرصاص.. جيران لدغتهم العقارب
يعيش محمد الجبور، رحلة نزوح محفوفة بالمخاطر بدأت قبل عام، اضطر خلالها لمغادرة منزله في منطقة جورة اللوت، لينتقل بين أكثر من مكان قبل أن يعود إلى منطقة المقابر في خانيونس جنوب قطاع غزة، التي اختارها رغم مخاطرها للبقاء قريبًا من موطنه الأصلي.
يقول "الجبور" لـ "وكالة سند للأنباء"، إنّ المكان الذي لجأ إليه لم يكن آمنًا؛ فالمقابر تعرضت خلال الحرب لعمليات هدم ونبش بالجرافات الإسرائيلية، وتراكمت فيها الحجارة والركام، لتصبح بيئة ملائمة لاختباء الزواحف والحشرات.
ومع بداية الصيف، بدأت البراغيث والحشرات بالانتشار، قبل أن تظهر العقارب والأفاعي، التي أصبحت جزءًا من المشهد اليومي للنازحين.

ويصف المشهد بقوله: "منظر الأفاعي الكبيرة وهي تقتحم الخيام يشيب منها الرأس، خاصة أنها أفاعي سامة لادغة، وتموت بصعوبة"، مؤكداً أنه لا شعور يصف لحظة رعب تعيشها العائلة بين القبور والأموات، ترافقها حرارة الصيف، وخطورة الحشرات والزواحف السامة.
ويؤكد "الجبور" أن عددًا من النازحين من جيرانه تعرضوا للدغات العقارب، ونُقلوا إلى مستشفى ناصر القريب لتلقي العلاج، فيما لم يحصل السكان على مبيدات أو وسائل مكافحة، ولا حتى إرشادات للوقاية من هذه المخاطر.
ويزيد من وطأة المشهد أن مكان نزوحهم لا يبعد سوى نحو نصف كيلومتر عن مقر البلدية البديل، بحسب الجبور، الذي يتساءل عن سبب غياب أي تدخل لمساعدة النازحين الذين يعيشون في هذه الظروف.
ولا يواجه سكان المقابر خطر الزواحف وحده؛ فضيفنا يقول إنهم لا يزالون عرضة للرصاص، مستذكرًا واقعة إطلاق نار حدثت أثناء زيارة وفد صحفي للمكان، ما اضطر الموجودين إلى الانبطاح والاحتماء من الرصاص.
حين يهاجم الخطر أجساد الأطفال النائمين
ولا تختلف تجربة ميادة الأخرس كثيرًا، وإن كان الخطر بالنسبة إليها يأخذ شكلًا أكثر قسوة حين يتعلق الأمر بأطفالها.
تعيش ميادة في خيمة أقيمت على أرض طينية رطبة وسط قطاع غزة، تقول إنها أصبحت بيئة خصبة للبكتيريا والحشرات والكائنات المختلفة.
وبالنسبة لأم لديها أطفال، فإن هذه البيئة لا تعني مجرد انزعاج يومي، بل خوفًا دائمًا من أن يصل أحد هذه الكائنات إلى طفلها، على حد قولها لمراسلة «وكالة سند للأنباء».
وفي التفاصيل، تقول "الأخرس" لـ "وكالة سند للأنباء" إنهم يستيقظون أحيانًا ليجدوا حفرًا جديدة في الأرض، نتيجة لحيوانات "الخلند" تحفر داخل التربة وتخرج منها، فيما تنتشر الديدان والخنافس وغيرها من الحشرات.
وتتذكر حادثة بقيت عالقة في ذاكرتها؛ فقد ظل طفلها الصغير يبكي طوال الليل من دون أن تعرف سبب ألمه، قبل أن تكتشف في الصباح، أثناء تغيير ملابسه، خنفساء سوداء عالقة بملابسه ومتشبثة بساقه، بعدما تسببت له بالأذى.

وتشير إلى أنّ تلك اللحظة جعلتها تدرك أن الخطر لم يعد محيطًا بالخيمة فقط، بل أصبح قادرًا على الوصول إلى أجساد الأطفال وهم نائمون.
وتزداد المشكلة مع انتشار البعوض والذباب والحشرات في محيط الخيام، إلى جانب وجود مناطق رطبة ومستنقعات ومكب للنفايات بالقرب من مكان نزوحها، وهي عوامل تقول إنها تجعل البيئة أكثر سوءًا وتزيد مخاطر القرصات والحساسية والالتهابات والأمراض الجلدية.
وبالنسبة لـ "ميادة"، فإن الخيمة قد تكون آخر خيار متاح، لكنها لا تمثل أمانًا حقيقيًا؛ فهي تحاول فقط أن تحمي أطفالها بما تستطيع، في بيئة لا تملك القدرة على تغييرها.
زواحف الشاطئ وبراغيث الرمال
وفي خيام النازحين على شاطئ بحر المواصي في خانيونس جنوب قطاع غزة، يروي محمود الحاج تجربة أخرى مع الزواحف والحشرات التي اقتحمت تفاصيل الحياة اليومية.
يتحدث "الحاج" عن انتشار كثيف لزواحف محلية تُعرف بينهم باسم "الملال"، إلى جانب حشرة "أبو مقص"، التي يجدها النازحون بكثرة داخل وحول خيامهم.
ويصف ضيفنا بأنه زاحف يشبه الحية الصغيرة، يخرج من الرمال وينخر فيها، ورغم أنه غير سام، فإن شكله يثير الخوف بين النازحين، خصوصًا الأطفال.
ومع طبيعة الأرض الرملية وصعوبة التخلص من هذه الزواحف، وغياب المبيدات الحشرية، يقول "الحاج" إنهم يضطرون أحيانًا إلى الإمساك بها وهي حية باستخدام أكياس بلاستيكية، ثم التخلص منها بعيدًا عن الخيام.
لكن الزواحف ليست المشكلة الوحيدة؛ فالبراغيث والحشرات تنتشر بكثافة، بحسب ضيفنا، وتتسبب في جروح وقروح ومشكلات جلدية للنازحين.
أما حشرة "أبو مقص"، فقد تحولت بالنسبة لعائلته إلى تجربة مؤلمة؛ مستذكراً أن الحشرة قرصت شقيقه أثناء نومه في فترة الظهيرة، ما أدى إلى تورم وانتفاخ في ساقه استمر نحو أسبوع.
ومع حرارة الخيام المرتفعة، يتضاعف الألم والالتهاب، لتتحول الإصابة الصغيرة إلى معاناة أطول في ظروف تفتقر إلى وسائل العلاج والوقاية المناسبة، وفقاً لضيفنا.
تأتي هذه المعاناة المتفاقمة وسط تحذيرات رسمية وبيئية واسعة من أن تراكم المخلفات وافتقار المخيمات لأدنى مقومات النظافة يضع الأطفال وكبار السن في مواجهة خطر مباشر، لاسيما مع معاناة المنظومة الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة للتعامل مع حالات اللدغ واللسع.
وفي السياق ذاته، حذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من تفشي القوارض والآفات في نحو 80% من مواقع النزوح.
ويشير "المكتب الحكومي" في أحدث بياناته إلى أن نحو 867 ألف نازح يعيشون داخل خيام بدائية ومتهالكة لم تعد صالحة للحياة الآدمية وتحتاج إلى استبدال فوري، في وقت تعرقل فيه القيود المفروضة على إدخال الاحتياجات الأساسية توفير المبيدات والمستلزمات اللازمة لمكافحتها، ليظل أهالي القطاع ينتظرون أبسط مقومات الأمان البيئي والصحي في وجه كارثة متفاقمة.
