الساعة 00:00 م
الثلاثاء 25 اغسطس 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.23 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.5 يورو
3 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

تحذيرات من استهداف إسرائيلي شامل لخدمات "أونروا" في القدس

حصار وتوسع استيطاني متصاعد.. وقائع تهجيرية جديدة في الضفة

بالصور معاذ.. طفل غزي يصارع الموت والشتات منتظرًا بابًا للنجاة

حجم الخط
الطفل معاذ أبو شاويش
غزة - أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

في الحادية عشرة من عمره، خسر معاذ أبو شاويش أبسط حقوق الطفولة؛ فلا مقاعد دراسية تنتظره، ولا ألعاب تشغل أيامه؛ كل ما يعرفه هو انتظار "كيس دم" جديد يعيد له شيئًا من القدرة على الوقوف في وجه الحياة.

بين جسد أنهكه المرض وحرب أغلقت دونه أبواب النجاة، يعلق الطفل معاذ آماله منذ سنوات على فرصة خروج عاجلة لإجراء زراعة نخاع عظمي قد تنقذ ما يمكن إنقاذه.

وحيداً في غزة، يصارع المرض ووجع الفراق، منتظراً على أمل اللقاء بوالدته التي تقطعت بها السبل في الأردن برفقة شقيقه، بينما قلبه المعلق هناك لا يزال ينبض شوقاً للعودة وحضن دافئ ينسيه مرارة الألم.

رحلة موجعة بين البيت وأروقة المستشفيات

يتنقل الطفل معاذ بين جدران المنزل وأروقة المستشفيات في رحلة إنهاك مستمرة؛ فجسده الصغير يصارع نقصًا حادًا في المناعة تمدد لتتداعى أمامه أعضاء جسده، بين سكري، ومشكلات في الصدر والشعب الهوائية، وضعف في نمو العظام، وإسهال مزمن، وتضخم في الكبد والطحال، وصولاً إلى هزال شديد.

ومع حلول شهر مارس/ آذار الماضي، انضافت فصول جديدة من الألم تمثلت في نزيف متكرر من المعدة، وخروج الدم مع البلغم، وسط تراجع حاد ومستمر في مستويات الدم والصفائح.

WhatsApp Image 2026-08-25 at 12.21.00 PM.jpeg
 

يقول والد الطفل، رأفت أبو شاويش، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إنّ مؤشرات الدم تشهد تحسنًا طفيفًا ومؤقتًا إثر عمليات النقل المتكررة، لتعود وتهوي مجددًا خلال أيام قليلة.

دوامة يومية باتت تقيد الأسرة بين البيت والمستشفى، متجرعة في كل مرة مرارة فحوص جديدة وبحث مضنٍ عن وحدات دم نادرة، لا سيما بعد استنفاد طاقة معظم الأقارب القادرين على التبرع.

هذا الهبوط الحاد في صفائح الدم لا يترك لمعاذ طاقة للوقوف أو الجلوس أو حتى تناول لقمة طعام، إذ ينهار الجسد المنهك وتظهر عليه علامات الانتفاخ المؤلمة، لتجد العائلة نفسها عاجزة أمام طفل تتآكل أيامه ببطء، وفق والده.

لم تقتصر مأساة معاذ على الجسد المنهك فحسب، بل تضاعفت بمرارة الشتات؛ فوالدته برفقة شقيقه الأصغر "مالك" يعيشون في الأردن لظروف العلاج، بينما بقي هو محاصرًا في غزة بعد أن رُفضت تصاريح سفره كمرافق له.

طفل بشراسة تعلقه بوالدته، التي طالما كانت المتابعة الأولى لتفاصيل وجعه ودواء روحه، يجد نفسه اليوم يصارع المرض غياباً وحضوراً، ومن سرير المستشفى، اعتاد أن يمد صوته عبر الهاتف مستجديًا: "ماما، بدي إياكي.. بدي أشوفك".

محاولات الأم المستميتة للعودة واحتضان ابنها اصطدمت بجدران معقدة فرضتها الظروف، لتظل العائلة ممزقة الجغرافيا بين غزة والأردن، ومعاذ وحده يتقاسم أيامه بين ثقل المرض ومرارة انتظار أم لا تملك سوى قلب معلق على بعد أفق طويل.

وأمام هذا العجز المركب، يختصر الأب، رأفت أبو شاويش، غصة العمر بنداء يائس: "أي بلد.. أي مستشفى تقدر تعالج الولد، أنا موافق.. خذوا الولد".

WhatsApp Image 2026-08-25 at 12.20.59 PM (1).jpeg
 

قبل أن يشتد عليه المرض، كان معاذ طفلاً متفوقاً في دراسته، يحفظ دروسه في العلوم واللغة العربية والإنجليزية، أما اليوم، فقد أصبحت المدرسة حلماً بعيداً.

يقول الأب إن نجله يكرر باستمرار: "نفسي أروح أدرس، نفسي أقعد على مقاعد الدراسة، نفسي ألعب زي الأولاد"، وحين يحاول معاذ أحياناً النزول من المنزل واللعب، لا يستطيع البقاء سوى دقائق قبل أن ينهكه جسده، فيعود إلى فراشه أو يمسك هاتفه ليمضي الوقت.

ويتذكر والده مشهداً لا يفارقه، حين رأى معاذ على شرفة المنزل باكياً، فسأله عن سبب بكائه، ليخبره بأنه يريد أن يعيش مثل بقية الأطفال؛ فمعظم أيامه تمر هكذا؛ بين الفراش، والهاتف، والمستشفيات، بعيداً عن أي ملامح للطفولة.

رحلة علاج توقفت مع الحرب

لم تكن معاناة معاذ وليدة اللحظة؛ فصول المرض بدأت تتسلل إلى جسده الصغير منذ سنوات، متدرجة من السكري والإسهال المزمن، إلى تعقيدات صحية طالت الكبد والطحال والجهاز الهضمي والصدر وضعفاً واضحاً في نمو العظام.

وبعد رحلة طويلة من الفحوصات الطبية داخل غزة وخارجها، استقر تشخيص الأطباء على حاجة ماسة لعملية زراعة نخاع عظمي تمثل طوق النجاة الوحيد.

خطوات السفر كانت قد رسمت بالفعل؛ إذ خضع الطفل لفحوصات متخصصة خارج القطاع، وكان موعد بدء إجراءات الزراعة مرتقباً في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لتقف الحرب الإبادة سداً منيعاً وتعطل الحلم في لحظته الحاسمة.

ومنذ ذلك اليوم، انقطعت الأدوية وغابت المتابعات والفحوصات الأساسية التي كان معاذ يعتمد عليها.

WhatsApp Image 2026-08-25 at 12.20.59 PM.jpeg
 

وعلى الرغم من تلقي العائلة اتصالات متكررة تطلب منها الاستعداد للسفر، إلا أن شبح التعطيل كان يتربص بكل خطوة، متذرعًا بمشكلات في التنسيق، أو البيانات، أو أزمات المرافقين.

واقعٌ وثقه التقرير الطبي الصادر عن رئيس قسم الباطنة في مستشفى الأقصى، الطبيب محمد قشطة، والذي حذر من خطورة الحالة، واصفاً إياها بالبالغة الصعوبة والتي تستوجب إجلاءً طبياً عاجلاً لا يحتمل التأجيل.

زراعة مؤجلة ومجهول يهدد الحياة

حكاية معاذ ليست سوى نافذة صغيرة على مأساة أوسع يعيشها مئات الأطفال والمرضى المحاصرين في القطاع، إذ يشير المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، محمد أبو ندى، إلى أن لغة الأرقام الرسمية لا تتوفر على إحصائية دقيقة تفصل مرضى زراعة النخاع عن بقية أعداد الأورام وأمراض الدم.

غير أن وزارة الصحة تُقدر إجمالي المحتاجين للإجلاء الطبي بنحو 18 ألف مريض، من بينهم 4 آلاف مصاب بالدم والسرطان، وتتضمن هذه القوائم حالات حرجة تترقب فرصة لزراعة النخاع؛ وهي خدمة معدومة تماماً داخل غزة وغير مكتملة المقومات في الضفة الغربية.

ويقول أبو ندى لـ "وكالة سند للأنباء"، تتوزع هذه الحاجات الملحة بين مصابي ابيضاض الدم الحاد (اللوكيميا) ـ وخاصة الحالات عالية الخطورة أو المنتكسة، إلى جانب ابيضاض الدم المزمن، ومتلازمات فشل النخاع، وأنواع من الليمفوما وأمراض الدم الوراثية.

يُحذر من أن التأخير في إجراء عمليات الزراعة يحمل في طياته خطورة بالغة، لا سيما لدى الأطفال.

ويستطرد قائلًا: "إذ تتسارع تطورات بعض أنواع السرطان، ويقود بطء التشخيص والإحالة إلى وصول المريض في مراحل متقدمة ترافقه تداعيات غذائية ونفسية كارثية، قد ينتهي المطاف بالمريض إلى فقدان أهليته للزراعة مؤقتاً، أو تراجع حظوظ نجاحها، وإن لم يعنِ ذلك إغلاق الباب نهائياً".

WhatsApp Image 2026-08-25 at 12.16.39 PM.jpeg
 

هذه العملية المعقدة، كما يشرح أبو ندى، لا تختزل في مجرد قرار نقل خارج القطاع، بل تتطلب منظومة علاجية متكاملة تفتقر إليها غزة بأكملها؛ تشمل العلاج الكيميائي والتحضيري، والمضادات الدقيقة، ووحدات الدم والصفائح، والأدوية المثبطة للمناعة، فضلاً عن مختبرات متخصصة، وبنوك دم، وغرف عزل، ووحدات عناية مركزة.

بالإضافة إلى ذلك فإن الاجلاء يستوجب مساراً طويلاً يبدأ بالتحويلة الطبية، مروراً بإيجاد مركز مستضيف، وصولاً إلى الموافقات الأمنية وتأمين النقل والمرافق، حيث يكفي تعطل حلقة واحدة لتوجيه ضربة قاضية لفرصة المريض.

ومع تدمير المنظومة الصحية، ونقص الأدوية والكوادر، وتراجع الحالة الغذائية والنفسية، باتت الحرب تفتك بالمرضى ببطء متعمد، ويؤكد أبو ندى، أنّ الوقت بالنسبة لمريض اللوكيميا أو فشل النخاع ليس مجرد رقم، فبعض الحالات لا تملك ترف الانتظار حتى تسوء أمورها أكثر، فالمدة الآمنة محكومة بميزان دقيق يحدده التشخيص ومرحلة المرض واستجابة الجسد.