حين تُحرق الأجساد حتى تفقد ملامحها، وتتلاشى الحدود الفاصلة بين الإنسان والرماد، تبدو اللغة عاجزة عن الرثاء. لكن في غزة ما تزال التفصيلات الصغيرة قادرة على رواية الحكاية الكاملة.
بهذه الكلمات يمكن تلخيص مشهد وصل إلى أحد مستشفيات وسط القطاع، حيث وصل جثمان الشاب جبر كمال مقبل (34 عاما) متفحماً إلى درجة عجز الجميع عن التعرف إليه. لم يبقَ من جبر سوى لغز حزين، حلّه "معدن" قديم في قدمه، ليروي فصلاً جديداً من فصول الإبادة المستمرة
وقُصف الشهيد مرتين، المرة الأولى التي أسفرت عن استشهاده، والأخرى خلال نقل جثمانه، إذ أفادت مصادر محلية، بأن طائرات إسرائيلية استهدفت مركبة بحي الشيخ عجلين كانت تنقل جثمان الشهيد جبر مقبل من وسط القطاع إلى مدينة غزة، فأصيب عدد من أقاربه بجروح حرجة، واحترق جثمانه بشكل كامل؛ بفعل قصفه للمرة الثانية خلال ساعات.
دلالة أشعة "البلاتين".. قصة التعرف على الجثمان
بدأت الحكاية ظهر اليوم الخميس، إثر استهداف إسرائيلي مباشر لسيارة مدنية غرب مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد الشاب جبر مقبل، من مدينة غزة. وعندما نقل الجثمان إلى المستشفى، وقعت الواقعة الأليمة؛ فالجثة متفحمة كلياً، والملامح محوُت تماماً بفعل نيران القصف.
وبينما ساد الصمت الحزين وقوفاً أمام جثمان لا يعرفه أحد، تذكّر أحد الحاضرين تفصيلاً جسدياً طالما ميّز جبر: إصابة قديمة في قدمه، وقطعة بلاتين زُرعت داخلها قبل سنوات نتيجة حادثة سابقة.
وعلى إثر ذلك، أُدخل الجثمان على الفور إلى قسم الأشعة داخل المستشفى، وبتشغيل الأجهزة ظهرت قطعة البلاتين في مكانها تماماً.. هكذا فقط عُرف الشهيد جبر!
37 شهيداً من عائلة واحدة.. الفقد الذي يسبق الشهادة
لم يكن استشهاد جبر مقبل حادثاً عابراً، بل هو امتداد لسلسلة من الفقد المرير الذي طارد هذه العائلة طوال أيام الحرب.
فتشير المعطيات الميدانية إلى أن الشهيد جبر فقد منذ بداية الحرب 37 فرداً من عائلته، كان من بين قسوة الفقد استشهاد والدته وأخوانه. وكأن القدر أراد له أن يلتحق بهم بالطريقة ذاتها، حاملاً معه إرثاً ثقيلاً من الفقد والوجع المتواصل.
واليوم، حين يرحل جبر تاركاً خلفه فراغاً هائلاً وحكايات معلقة، يغدو الناجون من هذه العائلة محاصرين بأسئلة موجعة عن معنى البقاء وسط عائلة بأكملها باتت طيفاً في الذاكرة وشواهد في مقابر جماعية، لتتحول قصة جبر إلى صرخة حية تجسد حجم الفاجعة التي لا ترحم أحداً.
أسلحة محرمة دولياً.. إحراق الذاكرة والملامح
تأتي قصة الشهيد جبر مقبل لتسليط الضوء مجدداً على طبيعة الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً التي تستخدمها إسرائيل في استهدافاتها لقطاع غزة، والتي لطالما حذرت مؤسسات حقوقية من خطراستمرار الاستهدافات الإسرائيلية لقطاع غزة بهذه المتفجرات المحظورة عالميا، والتي يتواصل استخدامها على مدار قرابة من 3 سنوات من الإبادة.
وهذه الأسلحة لا تقتصر مهمتها على القتل وحصد الأرواح فحسب، بل تتعمد إخفاء ملامح الضحايا، وتحويل أجسادهم إلى كتل متفحمة يصعب التعرف عليها، في محاولة ممنهجة لمسح الهوية الإنسانية للشهداء وحرمان عائلاتهم من وداعٍ يليق بهم، لتتضاعف مأساة الأهالي بين ألم الفقد وعذاب البحث عن هوية الفقيد.
وتشير تقارير حقوقية وميدانية متعددة إلى استخدام الاحتلال قنابل وذخائر متطورة -مثل القنابل الفراغية والحرارية، إضافة إلى قذائف الفسفور الأبيض المحرمة بموجب اتفاقية جنيف لعام 1980.
وهذه الأسلحة لا تنصب طاقتها التدميرية على الهدم فحسب، بل تولّد درجات حرارة هائلة وغير معتادة قادرة في كثير من الحالات على تفحيم الأجساد بشكل كامل، بل وحتى إحداث حالات "تبخر" أو تحول بعض الضحايا إلى رماد، كما وثّقته تقارير سابقة للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.
إن هذا النوع من التسلح يمثل حرباً من نوع آخر تشنها إسرائيل على عوائل الشهداء؛ فحين يُحرم الأهالي من التعرف على ذويهم أو توديعهم ودفنهم بصورة لائقة، تكتمل جريمة الإبادة بالتعدي حتى على حرمة الموت والجسد الإنساني، في محاولة لطمس كل الأدلة وتحويل الضحايا إلى مجرد أرقام مبهمة بلا ملامح.
"هدنة غزة".. واقع دامِ على الأرض
وما تزال الآلة العسكرية الإسرائيلية تفرض واقعًا داميًا ودمويًا على قطاع غزة؛ تزامنًا مع دخول اتفاق التهدئة ووقف إطلاق النار يومه الـ 350 على التوالي، حيث تواصل طائرات الاحتلال والمدفعية والزوارق الحربية استهداف الأحياء السكنية والمناطق الحدودية ومرافئ الصيادين، بالتزامن مع استمرار عمليات النسف الممنهج للمباني السكنية والبنية التحتية.
ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاقية وقف إطلاق النار والهدنة في أكتوبر 2025، وخلافًا للتفاهمات الأخيرة في تموز 2026 حول تنفيذ المرحلة الثانية من التهدئة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن في 31 يوليو/ تموز 2026 التوصل إلى "اتفاق جديد" للشروع في المرحلة الثانية من "خارطة الطريق" الخاصة بقطاع غزة، إلا أن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للتهدئة لا تزال تسجل بشكل يومي في مناطق مختلفة من القطاع.
حصيلة دموية.. الشهداء والجرحى بغزة
وبلغت حصيلة الضحايا في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 أكتوبر 2025، قد بلغت 1,408 شهداء، بالإضافة لـ 4916 مصابًا، تزامنًا مع انتشال جثامين 834 شهيدًا، وفقا لأحدث معطيات وزارة الصحة الفلسطينية، اليوم الخميس.
وارتفعت الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع في الـ 7 من أكتوبر 2023، إلى 73928 شهيدًا، و175030 جريحًا بإصابات متفاوتة؛ بينها خطيرة وخطيرة جدًا.
وتأتي هذه الحصيلة في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، رغم سريان الاتفاق الذي وُقّع بوساطة عربية وأمريكية في الـ 10 من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بمدينة شرم الشيخ المصرية.
