بينما تُرسم ملامح المرحلة المقبلة في قطاع غزة، تتقدم الأونروا إلى واحدة من أكثر نقاط التحول حساسية في تاريخها؛ ولاية أممية ما تزال قائمة حتى عام 2029، في مقابل مسار متصاعد لاستبعادها من ترتيبات إدارة القطاع وإعادة إعمارِه.
وبينما لا تملك الجهات الانتقالية صلاحية إلغاء التفويض الذي منحته الجمعية العامة للأمم المتحدة للوكالة، فإن تقليص تمويلها، وإقصاءها عن خطط الإعمار، وتهميش دورها في التنسيق، قد يدفع باتجاه إضعاف حضورها على الأرض دون إسقاط ولايتها قانونيًا.
وتفتح هذه المعادلة بابًا واسعًا من التساؤلات حول مستقبل الوكالة التي ارتبط اسمها لعقود بالخدمات الأساسية المقدمة للاجئين الفلسطينيين: هل يجري استبعاد الأونروا من مرحلة ما بعد الحرب تمهيدًا لنقل وظائفها إلى جهات أخرى؟ وهل يمكن أن تبقى ولايتها الأممية قائمة، فيما تتقلص قدرتها تدريجيًا على تنفيذها في غزة؟
وتزداد حساسية المشهد مع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار، التي لن تتعلق بإعادة بناء ما دمرته الحرب فحسب، بل بإعادة تشغيل قطاعات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والإغاثة، وهي مجالات تمتلك الأونروا فيها بنية ميدانية واسعة وخبرة تراكمية تمتد لعقود.
ولاية أممية.. فمن يملك إنهاءها؟
أنشأت الجمعية العامة الأونروا بموجب القرار 302 لعام 1949، ومنذ ذلك الحين جرى تجديد ولايتها بقرارات متعاقبة.
وتستمر ولاية الأونروا حتى 30 حزيران/يونيو 2029، بعدما جددت الجمعية العامة للأمم المتحدة تفويضها في كانون الأول/ديسمبر 2025 بأغلبية 151 دولة، مقابل 10 دول صوتت ضد القرار وامتناع 14 دولة.
وبذلك، فإن استبعاد الأونروا من خطة أو ترتيبات لإعادة إعمار غزة لا يعني إلغاءها، كما أن أي جهة انتقالية لا تملك، بمجرد إنشاء ترتيبات جديدة لإدارة القطاع، أن تلغي التفويض الذي منحته الجمعية العامة للوكالة.
لكن المسألة الأكثر حساسية تقع في مكان آخر: قد تبقى الولاية قائمة على الورق، بينما تتراجع القدرة على تنفيذها على الأرض.
كيف يمكن تهميش الوكالة دون إلغائها؟
يمكن أن يبدأ تقليص الدور من خلال استبعاد الأونروا من اجتماعات التنسيق، وعدم إشراكها في خطط التعافي وإعادة الإعمار، وتحويل التمويل المخصص للخدمات التي تقدمها إلى جهات أخرى، أو تقييد قدرتها على الوصول إلى السكان والمنشآت والموارد اللازمة لعملها.
ولا يؤدي أي من هذه الإجراءات، بمفرده، إلى إلغاء قرار الجمعية العامة أو إنهاء الولاية القانونية للوكالة، لكنه قد يضعف قدرتها التشغيلية بصورة متدرجة.
وهذا ما حذر منه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في اجتماع وزاري بشأن الأونروا في 24 أيلول/سبتمبر الماضي، مشيرًا إلى أن الوكالة مستبعدة من اجتماعات التنسيق، وأن قدرتها على العمل أصبحت "مهددة بشدة"، رغم تجديد الجمعية العامة لولايتها لثلاث سنوات.
وتواجه الوكالة، وفق غوتيريش، عجزًا نقديًا يبلغ نحو 100 مليون دولار خلال عام 2026، ما يزيد الضغوط على عملياتها في وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية في القطاع.
وهكذا، لا تحتاج عملية إضعاف الوكالة بالضرورة إلى قرار يقول "إلغاء الأونروا"، إذ يمكن أن تبدأ باستبعادها من المؤسسات والخطط، ثم تقليص التمويل، ثم نقل بعض وظائفها إلى جهات أخرى.
إعادة الإعمار.. ساحة الاختبار
وتكتسب مسألة استبعاد الأونروا من إعادة إعمار غزة أهمية خاصة؛ لأن مرحلة ما بعد الحرب لن تقتصر على إعادة بناء المنازل والمنشآت المدمرة، وإنما ستشمل قطاعات التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والحماية الاجتماعية والإغاثة.
وفي قرارها المتعلق بعمليات الأونروا في كانون الأول/ديسمبر 2025، أكدت الجمعية العامة دعمها الكامل لولاية الوكالة، وحذرت من محاولات تقليص عملياتها، كما دعت إلى معالجة أزمتها المالية والتشغيلية.
وفي المقابل، تتشكل ترتيبات جديدة لإدارة غزة وإعادة إعمارها، ما يطرح سؤالًا عمليًا حول الجهة التي ستتولى الخدمات التي كانت الأونروا تقدمها، وحول ما إذا كان نقل هذه الوظائف سيجري بصورة مؤقتة أم سيتحول إلى نموذج دائم.
لماذا يصعب استبدال الأونروا سريعًا؟
ولا ترتبط أهمية الأونروا بحجم المساعدات التي توزعها فقط، وإنما بالبنية التي تمتلكها داخل قطاع غزة.
وتقول الوكالة إن نحو 1.7 مليون شخص في القطاع يعتمدون على خدماتها، فيما يبلغ عدد موظفيها في غزة نحو 11 ألف موظف، وتعد من أكبر مقدمي الخدمات الإنسانية على نطاق واسع في القطاع.
كما تقدم الوكالة خدمات صحية وتعليمية ومياه وصرف صحي، وتدير شبكات ومرافق ومراكز إيواء، فيما تشير بياناتها إلى أنها أكبر مقدم للرعاية الصحية الأولية في غزة، إذ تقدم فرقها الطبية نحو 80 ألف استشارة أسبوعيًا.
وتعني هذه الأرقام أن نقل دور الأونروا لا يتعلق باستبدال مؤسسة بمؤسسة بقرار إداري؛ بل يحتاج إلى نقل موظفين وخبرات وقواعد بيانات ومنشآت وشبكات توزيع وآليات عمل ميدانية، في بيئة لا تزال تعاني من دمار واسع واحتياجات إنسانية كبيرة.
التمويل.. نقطة الضغط الأبرز
إلى جانب الاستبعاد من ترتيبات التنسيق والإعمار، تواجه الأونروا أزمة مالية تهدد قدرتها على الاستمرار بالمستوى المطلوب.
فقد أعلنت الوكالة وجود عجز نقدي يبلغ نحو 100 مليون دولار لعام 2026، فيما أشار رئيس الدورة الـ81 للجمعية العامة إلى أن الوكالة اضطرت خلال العام إلى خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20%، مع تخفيضات مقابلة في رواتب معظم موظفيها الفلسطينيين.
وتكشف هذه الأزمة جانبًا أساسيًا من مستقبل الوكالة: الولاية القانونية لا تكفي وحدها لضمان القدرة على العمل.
فالأونروا تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل المقدم من الدول، وبالتالي فإن استمرار نقص الموارد قد يؤدي إلى تقليص الخدمات والبرامج والموظفين، حتى مع بقاء التفويض الأممي قائمًا.
ومن هنا، يصبح التمويل أحد المسارات الأكثر تأثيرًا في تحديد ما إذا كانت الأونروا ستبقى لاعبًا رئيسيًا في مرحلة التعافي، أم ستتحول تدريجيًا إلى دور محدود.
استبعاد معلن.. وحاجة مستمرة إلى الخبرة
ورغم الحديث عن استبعاد الأونروا من بعض ترتيبات إعادة إعمار غزة، فإن الحاجة إلى خبرتها وقدراتها الميدانية لا تزال قائمة.
فالوكالة لا تمتلك فقط شبكة موظفين ومرافق، وإنما خبرة طويلة في إدارة الخدمات داخل المجتمع الفلسطيني، وقواعد بيانات وسجلات للاجئين، إضافة إلى قدرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من السكان.
وهذا يخلق مفارقة في المشهد الحالي: قد يجري استبعاد الوكالة من بعض الترتيبات السياسية والمؤسسية، بينما تبقى خبراتها وبنيتها التشغيلية مطلوبة على الأرض.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون السيناريو المطروح هو إنهاء وجود الأونروا دفعة واحدة، وإنما إعادة توزيع بعض مهامها أو نقل إدارتها وتمويلها إلى مؤسسات أخرى.
وماذا عن قضية اللاجئين؟
ولا تنحصر أهمية الأونروا في تقديم الخدمات الإنسانية، إذ أصبحت منذ إنشائها جزءًا أساسيًا من البنية الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وتحتفظ الوكالة بسجلات اللاجئين وتقدم لهم خدمات في مناطق عملياتها الخمس، ما يجعل مستقبلها مرتبطًا أيضًا بأسئلة تتجاوز الإغاثة إلى البعد المؤسسي والسياسي لقضية اللاجئين.
لكن من المهم التمييز بين دور الأونروا وبين الحقوق القانونية للاجئين؛ فوجود الوكالة لا ينشئ بذاته حق العودة، كما أن إنهاء خدماتها لا يلغي هذه الحقوق تلقائيًا، التي تستند إلى منظومة أوسع من قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.
ومع ذلك، فإن تقليص دور الوكالة أو نقل وظائفها إلى جهات أخرى قد تكون له انعكاسات مؤسسية وسياسية على الطريقة التي تُدار بها قضية اللاجئين وخدماتهم مستقبلًا.
تحذير أممي من تقويض الدور
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الأمم المتحدة التحذير من تراجع قدرة الأونروا على أداء مهامها.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة إن استمرار القيود والاستبعاد من اجتماعات التنسيق، إلى جانب الأزمة المالية، يهدد قدرة الوكالة على مواصلة عملها، داعيًا الدول إلى توفير الموارد والمساحة التشغيلية اللازمة لحماية ولايتها.
كما أكد رئيس الجمعية العامة أن تقليص الموارد ينعكس مباشرة على الخدمات التي تقدمها الأونروا، بما فيها الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي.
وفي الوقت ذاته، تقول الأونروا إن نحو 11 ألفًا من موظفيها الفلسطينيين يواصلون تقديم الخدمات في غزة، رغم القيود والعوائق التي تواجه عملياتها.
بين الولاية والدور.. ماذا ينتظر "أونروا"؟
ويضع المشهد الحالي مستقبل الأونروا أمام أكثر من احتمال، فقد تستمر الوكالة في أداء دورها الإنساني والتنموي ضمن ترتيبات إعادة الإعمار، مع بقاء ولايتها وتمويلها الدولي.
وقد تبقى ولايتها قائمة حتى عام 2029، لكن مع تقليص مشاركتها في الإعمار والتنسيق والتمويل، لتستمر في تقديم جزء من خدماتها ضمن نطاق أضيق.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في الاستبدال العملي التدريجي، عبر نقل عدد من الوظائف والخدمات والبرامج إلى مؤسسات أخرى، بما يقلص حضور الأونروا على الأرض دون صدور قرار أممي صريح بإنهاء ولايتها.
وفي جميع هذه الاحتمالات، يبقى الفارق الأساسي قائمًا بين إلغاء الوكالة قانونيًا وتقليص قدرتها على تنفيذ ولايتها عمليًا.
فالأمم المتحدة جددت التفويض حتى 2029، لكن قدرة الأونروا على الوصول والتمويل والتنسيق والمشاركة في إعادة إعمار غزة ستظل عوامل حاسمة في تحديد شكل حضورها خلال المرحلة المقبلة.
وبذلك، لا يدور السؤال فقط حول ما إذا كانت الأونروا ستبقى قائمة، بل حول الدور الذي ستُسمح لها بممارسته داخل غزة، ومن سيتولى الخدمات التي تقدمها، وما إذا كان تقليص حضورها سيبقى إجراءً مؤقتًا أم يتحول إلى واقع مؤسسي دائم.
