يواجه المواطنون في قطاع غزة، إلى جانب القصف والدمار، خطراً مستمراً بسبب الذخائر غير المنفجرة التي خلفها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مناطق سكنية مدمرة، والتي تهدد حياة المدنيين وتعرضهم لإصابات وبتر أطراف، في ظل نقص الخبراء والمعدات اللازمة للكشف عن هذه الذخائر والتخلص منها بأمان.
وفي 31 أكتوبر 2025، بقيت قنبلة غير منفجرة في منزل عائلة الحتو في حي النفاق في مدينة غزة. وكانت القنبلة من طراز "مارك 84"، وهي ذخيرة قادرة على تدمير مبانٍ بأكملها أو إلحاق أضرار جسيمة بها، ولا تزال مغروسة في جدار المنزل، ما يشكل خطراً دائماً على أفراد العائلة وأطفالها وسكان المنطقة.
وفي 23 نوفمبر 2025، عثر أدهم الفرا، البالغ من العمر 28 عاماً من حي النصر بمدينة غزة، على جسم صغير يزن نحو 1.5 كيلوغرام أثناء عمله على إزالة الأنقاض من المباني التي دمرت خلال حرب الإبادة الإسرائيلية.
وبعد أن بحث عبر الإنترنت، اعتقد أن الجسم بطارية دراجة نارية صغيرة، فقرر نقله إلى منزله للاستفادة منه في توفير الكهرباء والوصول إلى الإنترنت، في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر في المدينة.
وعند نحو الساعة السابعة مساءً، أحضر أدهم الجسم إلى شقة عائلته في الطابق الثاني من مبنى مكون من أربعة طوابق، ووضعه على طاولة في غرفة المعيشة، حيث كان تسعة من أفراد العائلة مجتمعين. وبعد وقت قصير، حمل ابنه يحيى، البالغ من العمر 18 شهراً، الجسم وسار باتجاه والده.
وقال أدهم: "خطا ابني خطوة، ثم خطوة ثانية، وفجأة انفجر الجسم"، مضيفاً: "قُذف ابني في الهواء أمام عيني، ثم أظلم كل شيء".
ودفع الانفجار أدهم إلى الشارع ودفنه تحت الأنقاض. وتمكن من تحريك ذراعيه وساقه اليمنى، لكنه لم يستطع تحريك ساقه اليسرى، ليدرك أنها تعرضت لإصابة بالغة.
وقال إن شقيقه محمد، البالغ من العمر 30 عاماً، تمكن بمساعدة أقارب آخرين من سحبه بعد ربط حبل حول ساقه السليمة، مضيفاً أنه اكتشف في تلك اللحظة فقدانه البصر في إحدى عينيه.
وأثناء نقله بسيارة إسعاف إلى مجمع الشفاء الطبي، عثر رجال الإنقاذ على يد مبتورة بالقرب من موقع الانفجار، فيما أكد الطاقم الطبي أن المصابين جميعاً بخير. وعندها أدرك أدهم أن اليد تعود إلى ابنه.
وقال إن عائلته أخفت عنه استشهاد ابنه لمدة ثلاثة أيام، حتى تحسنت حالته بعد بتر ساقه اليسرى أسفل الركبة، ثم أبلغوه بأنه استشهد متأثرا بجروحه. وأضاف أنه علم بعد أسبوعين من الجيران أن ابنه تمزق إلى أشلاء داخل المنزل.
وأكد أدهم أن جميع أفراد الأسرة الذين كانوا داخل الشقة أصيبوا بجروح أو تعرضوا لحروق، فيما فقد ساقه اليسرى وبصره في إحدى عينيه، وحذره الأطباء من أن عينه الأخرى معرضة للخطر أيضاً.
نقص الخبراء والمعدات
منذ 7 أكتوبر 2023، ألقت دولة الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 200 ألف طن من الذخائر المتفجرة على قطاع غزة، فيما بقي نحو 70 ألف طن منها غير منفجرة، وفقاً لمحمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة.
وأفادت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في أبريل الماضي بأن نحو ألف شخص استشهدوا بسبب ما وصفته بـ"النزاع غير المباشر الناجم عن مخلفات الحرب" منذ بداية الحرب، فيما أرجع بصل ارتفاع المخاطر إلى فقدان مهندسي الذخائر المتفجرة ونقص المعدات اللازمة لتحديد الذخائر غير المنفجرة والتخلص منها بأمان.
وقال بصل إن نحو 90 بالمئة من هؤلاء المهندسين استشهدوا، سواء داخل منازلهم أو أثناء أداء ما وصفه بأنه "عمل إنساني"، ما ترك غزة من دون عدد كافٍ من الخبراء القادرين على تنفيذ عمليات إزالة الذخائر غير المنفجرة، بدءاً من الكشف والمسح وصولاً إلى التخلص الآمن.
وأوضح أن الخبراء المتبقين يستطيعون التعامل مع صاروخ صغير أو قنبلة يدوية عندما يبلغ السكان عن وجود بقايا ذخائر، لكنهم لا يستطيعون التعامل مع الذخائر شديدة الانفجار التي تحتاج إلى معدات ثقيلة غير متوفرة في غزة.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق بنقص الخبراء وحده، إذ تفتقر غزة أيضاً إلى المعدات اللازمة لإزالة الذخائر، بينما يجعل حجم الدمار والكثافة السكانية المهمة أكثر صعوبة.
وبحسب بصل، لا تزال المواقع الدقيقة لمعظم الذخائر غير المنفجرة مجهولة، ولا يجري تحديدها إلا عندما يبلغ المدنيون عن أجسام مشبوهة، مرجحاً أن تكون هذه الذخائر منتشرة خصوصاً في المناطق التي تعرضت لدمار واسع، ومنها مدينة غزة وشمال القطاع.
وحذر من أن الخطر لا يهدد سكان المنازل والأحياء المتضررة فقط، بل يشمل أيضاً فرق الدفاع المدني التي تعمل على إزالة الأنقاض، وسط تقديرات بوجود ما بين 50 و60 مليون طن من الأنقاض التي يُعتقد أنها ملوثة بذخائر غير منفجرة.
ووصف بصل هذه المخلفات بأنها قنابل وصواريخ وذخائر طائرات مسيرة ألقيت من الجو، إضافة إلى قنابل يدوية وأجهزة متفجرة مهجورة عثر عليها في الشوارع والمنازل والأحياء.
وأشار إلى أن بعض هذه الذخائر قد تكون على هيئة أشياء يومية، مثل العلب المعدنية وعبوات العصير وألعاب الأطفال، ما يجعلها أكثر خطورة على المدنيين، خصوصاً الأطفال الذين قد يتعاملون معها باعتبارها أشياء عادية.
وقدرت منظمة الإنسانية والشمول أن إزالة الذخائر غير المنفجرة في غزة قد تستغرق بين 20 و30 عاماً. وقال بصل إن على السلطات الإسرائيلية، بموجب القوانين الدولية، تقديم معلومات تفصيلية عن مواقع الذخائر غير المنفجرة للمساعدة في عمليات التخلص منها وتقليل المخاطر التي تهدد المدنيين.
جسم ظنه الأطفال لعبة
في حادثة أخرى، أصيب التوأمان يحيى ونبيلة الشرباصي بعد العثور على جسم مشبوه بالقرب من منزلهما في شارع الجلاء بمدينة غزة في 24 أكتوبر 2025.
وكان الطفلان، البالغان ستة أعوام، قد عثرا على الجسم أثناء عودتهما من متجر قريب، واعتقدا أنه لعبة. وأخذاه معهما ولعبا به بالقرب من المنزل قبل أن ينفجر.
وقال جد الطفلين توفيق الشرباصي إن يحيى ونبيلة كانا في حالة مروعة، مع نزيف مستمر وتمزق في الأنسجة وفقدان للأطراف.
ونُقل الطفلان إلى مستشفى الشفاء، حيث خضعا لعدة عمليات جراحية خلال أسابيع.
وفقد يحيى يده اليمنى وساقه اليسرى وإصبعاً من يده اليسرى، كما اخترقت الشظايا بطنه وأصابت ساقه اليمنى بحروق شديدة. وحذر الأطباء من احتمال بتر ساقه المتبقية إذا لم يسافر سريعاً لتلقي العلاج خارج غزة.
أما نبيلة، فأصيبت بكسور شديدة في ساقها اليسرى وفقدت ثلاثة أصابع، كما تعرضت لأضرار داخلية في الأمعاء استدعت إزالة جزء منها جراحياً. واستشهدت بعد 20 يوماً من الانفجار أثناء انتظار إجلائها لتلقي العلاج خارج القطاع.
وقال جدها إن شقيقها التوأم يحيى تمكن من الإجلاء إلى إيطاليا مع والديه في 7 ديسمبر 2025 عبر معبر كرم أبو سالم، حيث خضع لعدة عمليات جراحية لإنقاذ ساقه المتبقية، ويتلقى حالياً العلاج التأهيلي استعداداً لتركيب أطراف صناعية.
أطفال يدفعون الثمن
قال الدكتور عصام أبو عجوة، الجراح الاستشاري في مستشفى غزة المعمداني، إن معظم الحالات المرتبطة بالذخائر غير المنفجرة التي تصل إلى مستشفيات غزة تعود لأطفال أصيبوا بجروح خطيرة تتطلب عمليات جراحية وإقامة طويلة في وحدات العناية المركزة، في ظل انهيار النظام الصحي في القطاع.
ووصف أبو عجوة الحالات التي تصل إلى المستشفى بأنها تشمل مصابين فقدوا أطرافهم ويعانون من حروق شديدة وفقدان جزئي أو كامل للبصر.
وأوضح أن الطواقم الطبية تعمل بإمكانات محدودة وتحاول تجنب البتر متى أمكن، لكنه يصبح أحياناً أمراً لا مفر منه، خصوصاً عندما يتعذر إجلاء المرضى بصورة عاجلة لتلقي العلاج خارج غزة.
وكان داود عيد، البالغ من العمر 19 عاماً، أحد ضحايا هذه الذخائر، بعدما فقد ساقيه إثر انفجار جسم يشتبه في أنه من مخلفات الذخائر غير المنفجرة في 28 نوفمبر 2025.
وكان داود وابن عمه قد توجها إلى مخيم جباليا للاجئين للاطمئنان على منزل العائلة، بعد أن سمعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن القوات الإسرائيلية انسحبت من المخيم. وعندما وصلا، وجدا المخيم مدمراً بالكامل والمنزل تحول إلى ركام.
وفي طريق عودتهما إلى خيمة النزوح التي كانت تؤوي عائلتيهما وسط غزة، لامس أحدهما بالخطأ جسماً مشبوهاً فانفجر، ما أدى إلى إصابتهما بجروح بالغة.
وظل الاثنان ينزفان لنحو ثلاث ساعات قبل أن يتمكن السكان من الوصول إليهما بأمان، فيما توفي ابن عم داود متأثراً بجراحه.
ونُقل داود إلى مستشفى الشفاء بسبب انخفاض حاد في مستوى الهيموغلوبين، وقضى شهرين خضع خلالهما لعمليات جراحية متعددة انتهت ببتر ساقيه.
وقال داود إنه غاب عن امتحانات الثانوية العامة في ذلك العام بسبب العمليات الجراحية التي خضع لها لإنقاذ ساقيه، كما غاب عنها في العام التالي رغم حصوله على أكثر من 90 بالمئة خلال سنوات الدراسة.
ورغم إحالته للعلاج خارج غزة، لا يزال داود غير قادر على مغادرة القطاع، في ظل تدمير مرافق إعادة التأهيل والأطراف الاصطناعية وقيود إدخال الإمدادات الطبية.
وقال: "كنت أحلم بإكمال دراستي الثانوية ودراسة الهندسة في الجامعة. أما اليوم، فحلمي هو ببساطة السفر خارج غزة والحصول على أطراف صناعية".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
