الساعة 00:00 م
الخميس 08 أكتوبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.06 جنيه إسترليني
4.33 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.44 يورو
3.07 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

من "كاخ" إلى وزارة "الأمن القومي".. كيف نقل "ابن غفير" تطرفه من الهامش إلى الميدان؟

من "كاخ" إلى وزارة "الأمن القومي".. كيف نقل "ابن غفير" تطرفه من الهامش إلى الميدان؟

حجم الخط
المتطرف ابن غفير
رام الله - وكالة سند للأنباء

يُشكل صعود وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، منعطفًا بارزًا في تاريخ التحولات السياسية الإسرائيلية؛ إذ تجاوز كونه ظاهرة عابرة ليمثل ثمرة مسار أيديولوجي طويل الجذور.

ولم يعد صعود وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل جاء ترجمة لمسار أيديولوجي متصل؛ فقد عبر من هوامش المشهد الحزبي إلى صلب القرار الحكومي، مستفيداً من جنوح الشارع الإسرائيلي نحو اليمين، ومن حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الماسّة إلى شركائه لبقاء ائتلافه متماسكًا.

وكان آخر المشاهد الاستفزازية لـ "ابن غفير" ظهوره في زنزانة الأسير القائد حسن سلامة وتهديده علنًا بالقتل، فضلًا عن إشرافه الشخصي على عمليات الهدم في القدس قبل يومين، وترأسه اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك خلال فترة الأعياد اليهودية.

ويؤكد خبراء في تصريحات خاصة لـ "وكالة سند للأنباء"، في الشأن الإسرائيلي أن "ابن غفير" وظّف منصبه الحكومي وملفات الشرطة والأمن الداخلي والأسرى والمسجد الأقصى لتعزيز حضوره بين قواعد المستوطنين وأنصار اليمين، وسط ترقب نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، والتي تشير استطلاعات حديثة إلى حصول حزبه "القوة اليهودية" على نحو 6 إلى 9 مقاعد.

ويُفصّل الخبير في الشأن الإسرائيلي، علي الأعور، مسار "ابن غفير" بالعودة إلى جذوره الأيديولوجية، مشيرًا إلى أنه نشأ سياسيًا في بيئة مرتبطة بأفكار الحاخام مائير كاهانا وحركة "كاخ" التي كانت تدعو إلى قومية يهودية متشددة وإبعاد الفلسطينيين والعرب.

ويوضح الأعور أن "ابن غفير" انضم في شبابه إلى "كاخ" وتولى نشاطًا في إطارها الشبابي، في حين حُظرت الحركة لاحقًا وظلت أفكارها لعقود خارج التيار السياسي الرئيسي.

وتوثق مصادر إسرائيلية أن حزب "القوة اليهودية" الحالي يُعد امتدادًا أيديولوجيًا لذلك التيار.

ويبيّن الأعور أن هذه الخلفية أسهمت بشكل مباشر في تشكيل خطاب "ابن غفير" السياسي والأمني؛ فانتقل من ناشط في أقصى اليمين إلى محامٍ يدافع عن متطرفين، ثم إلى عضو في الكنيست، وصولًا إلى وزارة الأمن القومي.

وراكم حضوره عبر خطاب يقوم على التشدد في التعامل مع الفلسطينيين، والدعوة إلى توسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتشديد قواعد إطلاق النار والعقوبات.

ويضع معهد الديمقراطية الإسرائيلي "القوة اليهودية" في خانة اليمين المتطرف تبنيًا لتلك السياسات.

 

ويلفت الأعور الانتباه إلى أن التحول الأهم تمثل في انتقال أفكار ظلت لسنوات على هامش النظام السياسي إلى موقع التأثير الحكومي؛ معتبرًا أن بن غفير لم يغيّر بنيته الأيديولوجية بقدر ما تغيرت البيئة السياسية الإسرائيلية وأصبحت أكثر قابلية لاستيعاب خطابه.

وقد منحه وصوله إلى وزارة الأمن القومي أدوات لم يمتلكها سابقًا، وخاصة النفوذ في الشرطة والأمن الداخلي، مما حوّل حضوره من ظاهرة احتجاجية إلى لاعب يمتلك أدوات تنفيذية داخل مؤسسات الدولة.

"نتنياهو" يحتاج "ابن غفير" بقدر احتياج الأخير للحكومة

من جانبه، يقارَب الخبير في الشأن الإسرائيلي، خالد خليفة، المشهد من زاوية الخارطة البرلمانية والحسابات الائتلافية، مؤكدًا أن حزب "القوة اليهودية" أحدث تحولًا جوهريًا بعدما أصبح أحد أهم مكونات معسكر اليمين الذي يعتمد عليه نتنياهو لبناء الأغلبية والمحافظة على حكومته.

ويرى خليفة أن تأثير "ابن غفير" لا يُقاس بعدد مقاعد حزبه فحسب، وإنما بموقع هذه المقاعد الحساسة داخل الائتلاف، ففي ظل أغلبية حكومية محدودة، تصبح الأحزاب الصغيرة قادرة على رفع سقف شروطها ببراعة.

ويستذكر خليفة محطة انتخابات 2022 الحاسمة، حين خاض الحزب الانتخابات ضمن قائمة مشتركة مع "الصهيونية الدينية" و"نوعام"، وحصدت القائمة 14 مقعدًا (كان نصيب "القوة اليهودية" منها 6 مقاعد)، قبل أن يرتقي بن غفير وزيرًا للأمن القومي.

ويشير إلى أن "ابن غفير" اختبر قدرته على الضغط مرارًا؛ أبرزها انسحابه من الحكومة في يناير/ كانون الثاني 2025 احتجاجًا على اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، قبل عودته بعد نحو شهرين.

ويؤكد خليفة أن هذه العلاقة تحكمها مصالح متبادلة وليست تبعية كاملة؛ فنتنياهو يحتاج إلى الحفاظ على تماسك معسكره، بينما يحتاج "ابن غفير" إلى وجوده داخل الحكومة لترسيخ شعاراته كقرارات ونفوذ مؤسسي.

واستفاد الحزب من حالة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 لتكريس القضايا الأمنية في المزاج السياسي، ونقل ملفات فرض السيادة على الضفة الغربية وتشديد السياسة تجاه الفلسطينيين من أوساط اليمين المتشدد إلى قلب النقاش السياسي العام.

الأقصى والأسرى تحولا إلى منصتين للاستعراض السياسي

بدوره، يُسلط الخبير في الشأن الإسرائيلي، شادي الشرفا، الضوء على الجانب الاستعراضـي والأدوات الشعبوية التي وظّفها "ابن غفير"، موضحًا أنه اتخذ من ملفات شديدة الحساسية –وفي مقدمتها المسجد الأقصى والأسرى الفلسطينيون– ساحات لعرض خطابه أمام الجمهور اليميني والمستوطنين، وإظهار نفسه بالشخصية الأكثر تشددًا في الحكومة.

ويشرح الشرفا أن زيارات "ابن غفير" المتكررة لـ "الأقصى" وتصريحاته المرتبطة بتغيير الواقع القائم فيه تندرج ضمن تنافس محموم داخل معسكر اليمين، حيث يسعى باستمرار لإثبات قدرته على تحويل الشعارات إلى وقائع ملموسة.

وفي السياق ذاته، تحول ملف الأسرى إلى ركيزة أساسية في حملاته من خلال الزيارات الاستعراضية للسجون، والتشدد في ظروف الاحتجاز، لمخاطبة جمهور يرى في قمع الفلسطينيين معيارًا للنجاح الأمني.

ويضيف الشرفا أن "ابن غفير" يولي اهتمامًا استثنائيًا بالقاعدة الاستيطانية في شمال الضفة الغربية، بوصفها حاضنة أساسية لليمين القومي والديني، مستقطبًا أصواتها عبر التواجد الميداني في مناطق التوتر.

وفيما يخص الانتخابات المرتقبة، يوضح الشرفا أن استطلاعات مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري تضع الحزب في نطاق 6 إلى 9 مقاعد، سعيًا لتثبيت صورته كممثل حصري لليمين المتشدد في معركة معسكر نتنياهو المستمرة على الأغلبية البرلمانية.

ويُجمع الخبراء أن حالة "ابن غفير" تجسد تحولًا بنيويًا عميقًا في بنية السياسة الإسرائيلية، بانتقال التيار الكاهاني من الهامش المرفود إلى صلب مراكز القرار الأمني والسياسي، لتأتي الانتخابات المقبلة محطة اختبار جديدة لمدى تجذر هذا التطرف داخل مفاصل الدولة الإسرائيلية.