في أزمنة الحرب التي تُطفئ من حولها كل حيوية، تخوض الشابة الكفيفة إيمان الغولة مواجهة استثنائية لصناعة الأمل؛ تفكك ظلام الإعاقة وعتمة الحرب بثبات راسخ، وتعيد صياغة تفاصيل عالمها الخاص بعزيمة لا تلين.
قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، كانت إيمان تحيا حياة مستقرة رغم الحصار والواقع المعيشي الصعب في قطاع غزة، حيث توفرت مؤسسات ومدافعون عن الحقوق وإمكانية للتعايش.
غير أن أحداث الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب، لا سيما مع وضعها الخاص كإنسانة من ذوات الإعاقة البصرية.
تستحضر إيمان هذا التحول الفارق في حوار مع مراسلة "وكالة سند للأنباء": "في السابق لم أشعر بالتحديات بشكل كبير، لكن الحرب بدمارها وخرابها واضطراري لمغادرة مستقري شكلت تحولًا قاسيًا جدًا؛ انتقلت فيه من الأمان إلى الخوف، ومن الحياة الكريمة إلى واقع بالغ الصعوبة".
رحلة النزوح القاسية.. ماراثون المجهول
تجرعت إيمان مرارة النزوح الشاق متنقلة نحو خمس مرات، واضطرت للنزوح جنوبًا لغياب أي مكان ملائم أو آمن.
وتروي بداية هذا المسار الصعب مبيّنة أنها اضطرت للفرار في اليوم الأول للحرب من منزلها باتجاه حي الشجاعية تحت وطأة الخطر المباشر، دون أن تمكنها الظروف من أخذ أي من ممتلكاتها، حتى آلة "بيركنز" الخاصة بقراءة برايل أو حاسوبها المحمول المزود ببرنامج النطق.
تتابعت مراحل النزوح وسط أهوال البحث عن ملاذ آمن، وفي ظل صعوبة العثور على من يأخذ بيدها أو يعينها وسط دمار الشوارع.
وتنوعت محطات لجوئها بين المنازل والمدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء مكتظة بالآلاف، وصولًا إلى الخيام التي ضربت حصارًا على أحلامها؛ إذ عانت طقس الحر الشديد الذي أرهق جسدها في ظل بيئة غير موائمة لظروفها الصحية، برفقة أفراد عائلتها الذين يفتقرون لخيمة تلبي الاحتياجات الخاصة.
وتشرح كيف واجهت بدايات النزوح بالبكاء الطويل لشدة المشقة وحرارة الجو، وكيف بدت لها المدارس بمثابة سجون متراصة بالنازحين. ولمواجهة التحديات الصحية ونظافة دورات المياه العامة، ابتكرت حلًا بتخصيص رشفات ماء معدودة لنفسها حفاظًا على سلامتها.
ومع مرور الوقت، عززت من قدرتها على الصمود؛ فرممت مساحتها داخل الخيمة بألواح الخشب لصنع بدائل مألوفة، وأسست لنفسها روتينًا يوميًا يقيها الانهيار النفسي.
سرقة الحلم.. وحصار المراجع والأدوات
وعلى الصعيد الأكاديمي، تعطل مسارها التعليمي الذي بنته بجهد سنوات؛ إذ توقفت رحلتها في نيل درجة الماجستير فور اندلاع الحرب بعد تعطل التواصل والمتابعة الجامعية.
وكان يتوجب عليها إنجاز مادة دراسية واحدة فقط لإتمام متطلبات دراستها، غير أن الحرب جمدت مسيرتها لما يقارب عامًا ونصف العام.
ومع ظهور تباشير التعليم الإلكتروني، بادت إيمان إلى استئناف دراستها؛ فسجلت وأنهت المادة الدراسية بنجاح محققة معدل 91% من قلب معاناتها في النزوح.
تصف إيمان الأثر النفسي العميق الذي أحدثه توقف التعليم في البداية، مشيرة إلى أنها شعرت بتشتت "إيمان القديمة" المفعمة بالشغف والمبادرة والحضور في الميادين، وبأن حياتها توقفت في ظل غياب من يتفقد حالها أو احتياجاتها الدراسية، لتواجه الفراغ العلمي والنفسي بمفردها.
كذلك اصطدمت بعقبات جمة في توفير المراجع والمصادر التوثيقية لعدم امتلاكها هاتفًا جيدًا أو حاسوبًا ملائمًا، فضلا عن انعدام الكتب والمراجع الموثوقة.
ورغم هذا الحصار المعرفي، رفضت الاستسلام والاستجابة للإعاقة كذريعة، واستعانت بهواتف وأجهزة زملائها وأخواتها لتجاوز المعوقات، مستعادةً شغفها لتعويض الفاقد التعليمي وإتمام مساقها بنجاح تام. وقد مكنتها الهدنة المؤقتة لاحقًا من تقديم الاختبار النهائي واجتيازه، رغم تعرض منزلها للدمار الكامل.
وتفاقمت الأزمة مع شح الأدوات التعليمية البديلة؛ إذ دُمرت المطبعة الوحيدة المتخصصة بطباعة لغة برايل، وحرمها انقطاع الكهرباء المستمر من شحن حاسوبها، فضلًا عن ضعف شبكة الإنترنت التي عجزت عن تحميل مرجع واحد.
أمام هذه العقبات، ابتكرت إيمان مسارات بديلة؛ فسجلت المحاضرات بصوتها، وطلبت من زميلاتها قراءة المراجع وإرسالها عبر تسجيلات صوتية في تطبيق "واتساب".
واستعانت ببرنامج النطق (NVDA) على هاتفها كلما توفر قدر يسير من الشحن، لتستعين باللوحة والقلم والأوراق القديمة لتدوين أفكارها، مؤكدة: "إذا فقدت كل الأدوات، يظل عقلي وذاكرتي هما أدواتي".
بكاء الانتصار.. وعودة النبض إلى الحروف
تستحضر لحظة فتح كتابها للمرة الأولى بعد عام ونصف العام من الانقطاع القسري، مشيرة إلى أنها لم تتمالك دموعها: "بكيت حين لمست الورق، وشعرت بالنظائر والبروزات تحت أصابعي كأنها تناديني. كان شعور انتصار، وكأني أقول للحرب: أنا ما زلت هنا، وما زلت أتعلم".
ولا تقتصر طموحاتها اليوم على إنجاز رسالة الماجستير، بل تحرص على المشاركة الفاعلة في المجتمع؛ فتتغلب على مشقات التنقل لتكون حاضرة بصوتها وبصمتها في مختلف الفعاليات والمؤتمرات والأنشطة العلمية والثقافية، متطلعة لتتويج مسيرتها بالحصول على الدكتوراة لتكون أول دكتورة كفيفة في مجال الإعلام على مستوى فلسطين.
وانعكاسًا لإيمانها بأهمية العطاء المجتمعي، واصلت انخراطها النشط في منظمات المجتمع المدني من خلال عملها مع "مركز وطن للتدريب والتطوير"، ومشاركتها في حملات التوعية بحقوق ذوي الإعاقة، مؤكدة أن "المجتمع المدني هو ما يحافظ على ما تبقى من روحنا".
ومن قلب معاناتها، شيّدت خيمة مصغرة حولتها إلى مصلى صغير تحفظ فيه القرآن الكريم عن طريق السمع وتسمّعه لنحو 60 طالبة من مختلف الأعمار أسبوعيًا.
وأطلقت مبادرتها الإنسانية "أبجديات النور" لتعليم 10 أطفال مكفوفين قراءة لغة برايل باستخدام آلة بيركنز واللوح وأدوات الكتابة تحت الخيام، وعقدت لقاءها الوجاهي الأول بنجاح لاستكمال مشروعها.
وتعبر عن ذلك بابتسامة أمل: "عندما أُمسك بيد طفل كفيف وأعلمه أن حرف الظاء يتكون من ست نقاط أساسية، وأرى وجهه يشرق حين يكتب أول حرف بمفرده، أشعر أنني أزرع فيه الاستقلالية؛ فلغة برايل ليست مجرد نقاط، بل هي عصاه البيضاء ونوره نحو العلم".
صرخة كرامة في وجه العتمة
وبعبارات تختزل واقع ذوي الإعاقة الذين يصارعون آثار الحرب بعيدًا عن الأضواء، تبعث إيمان برسالة أمل لكل من يعاني الفقد والتهميش: "لا أرى نفسي بطلة، بل أنا فتاة تحاول العيش بكرامة، وإذا رأى الآخرون فيّ نموذجًا، فذلك لأنني رفضت أن أكون مجرد رقم في قائمة الضحايا".
وحثت إيمان كل طامح يسعى لبناء مستقبله وسط الدمار، مخصصة المكفوفين بالقول: "ركام بيتك قد يكون أساسًا لحلمك الجديد.. لا تنتظر انتهاء الحرب لتبدأ، بل ابدأ والحرب قائمة، لأن إصرارك هو ما ينهي الحرب في داخلك أولًا".
وعن واقع ذوي الإعاقة، تؤكد بمزيج من الألم والثقة: "نحتاج الكثير؛ نحتاج الكلمة الطيبة والاهتمام بوقع معاناتنا المبرح، ولكننا رغم قسوة العتمة، نؤمن أن الله لا يترك صاحب العلم حيرانًا، وهذا هو يقيني الدائم".
