الساعة 00:00 م
الخميس 15 أكتوبر 2026
22° القدس
20° رام الله
21° الخليل
26° غزة
4.08 جنيه إسترليني
4.37 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.45 يورو
3.1 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

من مُوزّع للخير إلى باحثٍ عن قطرة زيت.. زيتون غزة من الوفرة إلى الأطلال

خاص بالفيديو بين ألم الفراق ومرارة البُعد.. عائلات غزة تُناشد بلم الشمل

حجم الخط
لم الشمل
غزة - وكالة سند للأنباء

"ثلاث سنوات وأنا أبكي لحالي في الخيمة، ما حدا بيشوف دمعتي".. لا يتحدث هادي العبسي عن فقدان بيتٍ أو نزوحٍ فرضته الحرب فحسب، بل عن غيابٍ أكثر قسوة: أن يكون أبًا لطفلٍ لم تحتضنه عيناه يوم وُلد، ولم تمنحه الأيام فرصة أن يراه يكبر أمامه، وطفلٍ آخر يُصارع المرض ويتأرجح بين الحياة والموت.

في السادسة والأربعين من عمره، وبعد أربعة عشر عامًا من الانتظار حتى يرزقه الله بالأطفال، وجد "العبسي" نفسه يفقد ما انتظره طويلًا؛ لا الأبوة نفسها، بل تفاصيلها التي لا تُعوّض، فزوجته وأطفاله خارج قطاع غزة، وهو عالق في داخله، وبين الطرفين مسافة لا تختصرها مكالمة هاتفية ولا صورة على شاشة.

ويزداد وجع هادي العبسي حين يتحدث عن طفله المصاب بالسرطان، ذاك الذي انتظره أربعة عشر عامًا حتى أكرمه الله به، ثم حالت الحرب بينه وبين احتضانه، فلم يرَه منذ ولادته، فيما يكبر الصغير ويواجه المرض بعيدًا عن أبيه.

وبصوتٍ يختنق بالقهر، يوجّه العبسي رسالته إلى الرؤساء والمسؤولين، وخصوصًا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي متوسلًا أن يُسمح له بالالتحاق بزوجته وطفله، وألّا يبقى عاجزًا عن الوقوف إلى جانبه في معركته مع المرض.

يقول: "أنا بدي ألتحق بزوجتي، طفلي مريض سرطان.. لو مات اسمحولي أدفنه"، ثم يغلبه البكاء بحرقة رجلٍ أنهكه الانتظار، لا يعرف إن كان سيحظى بفرصة احتضان ابنه أم أن المسافة ستسرق منه حتى لحظة الوداع.

ويُشير "العبسي" إلى أنَّ زوجته حاملًا في شهرها الأول حين غادرت القطاع برفقة أطفاله، لعلاج طفلهم المريض بالسرطان، وجاء الطفل إلى الدنيا، ثم مضت أعوامه الأولى من دون أن يلتقي والده.

واليوم، وقد بلغ الثالثة، لا يزال العبسي يتعرّف إلى ملامحه عبر الصور، ويتابع أخباره من بعيد، فيما تكبر داخله حسرة السنوات التي لم يعشها معه.

"أنا مدني، ما إلي ذنب في كل اللي حصل"، يقولها مستنكرًا أن يُحرم من أسرته، قبل أن يضيف بمرارة: "زوجتي وأولادي محتاجيني، وأنا محتاجهم".

لا تبدو المسافة في حديثه مجرد حدود تفصل مكانًا عن آخر؛ إنها أعوام من الأبوة المؤجلة، وأيام تمرّ من دون أن يستطيع فيها احتضان طفله أو مواساة زوجته أو الوقوف إلى جانب أسرته حين تحتاج إليه.

وكلما حاول أن يعوّض الغياب بمكالمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اصطدم بحقيقة أن الأبوة لا تُعاش بالصوت وحده، وأن الحضور الذي يحتاج إليه الطفل لا يمكن إرساله عبر شاشة.

وتبلغ مناشدته ذروة وجعها حين يقول: "لو مات، اسمحولي أدفنه".

"أسرنا تُهدم".. فراقٌ يتجاوز المسافات

وجع "العبسي" ليس الحكاية الوحيدة، فمثله عائلات فلسطينية تفرّقت بين غزة والخارج، وأزواج وزوجات يعيشون على أمل اللقاء، فيما تتحول إجراءات السفر وإغلاق المعابر والقيود على الحركة إلى حواجز أمام استعادة الحياة الأسرية.

آلاء حمدان، الفلسطينية العالقة في قطاع غزة، واحدة من هؤلاء، زوجها في تركيا، وهي تطالب بفتح المعابر وتسهيل طريق السفر حتى تتمكن من الوصول إليه، واستكمال حياتهما بعيدًا عن التشتت الذي فرضته الظروف.

لا تطلب حمدان، وفق مناشدتها، خلال وقفة في قطاع غزة، سوى إتاحة طريق يمكنها من خلاله المرور عبر مصر، والوصول إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة لاستكمال أوراقها وتأشيرتها، ثم مواصلة السفر إلى زوجها.

وتقول إن استمرار هذا الوضع يترك الأسر معلّقة بين مكانين، ويُبقي الأزواج والزوجات بعيدين عن بعضهم، عاجزين عن تحديد موعد للقاء أو وضع نهاية واضحة للانتظار.

وتختصر مطلبها بعبارة تختزن خوفها على مصير الأسرة: "لازم يلتم شملنا بعائلاتنا، إحنا هيك مشتتين، وأسرنا بتنهدم".

بالنسبة إلى حمدان، لا يُشكل السفر انتقالًا من بلد إلى آخر، بل طريقٌ لاستعادة حياة مشتركة غابت عنها الطمأنينة والاستقرار.

معابر مغلقة وعالقون ينتظرون

وتأتي هذه المناشدات في ظل أزمة إنسانية مستمرة في قطاع غزة، حيث لا تقتصر آثار القيود على الحركة على المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع، بل تمتد إلى أسرٍ تفرّق شملها، وأشخاص ينتظرون فرصة للسفر أو الالتحاق بأقاربهم.

وتواجه العائلات التي تطالب بالالتحاق بأزواجها وأطفالها، مسارًا مختلفًا، يحتاج إلى ترتيبات واضحة وإجراءات قابلة للتنفيذ تضمن السفر بصورة آمنة ومنظمة.

وتتجاوز مناشدات العائلات مطلب فتح المعابر إلى نداءٍ إنساني لإنهاء التشتت، وتسهيل السفر ولمّ الشمل عبر إجراءات واضحة وآمنة، فالعائلة ليست تفصيلًا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم، والطفولة لا تنتظر، والمرض لا يمنح الآباء وقتًا إضافيًا.