بالصور عائلة العيساوي ثلاثون عاماً من الفراق تلملم شتاتها الذكريات

حجم الخط
e41a241cc1fa497d36b70e2744009b39.jpg
القدس-أحلام عبدالله-وكالةسند للأنباء

  إن كنت فلسطينيا فعليك الاحتفاظ بذاكرتك المادية في أعماق ذاكرتك الشعورية وفي ثنايا قلبك كلوحة تفاصيلها عمر، وإلا ستفقد تلك الذاكرة عندما يقرر المتجبرون تجريدك منها ويملكون القدرة على تنفيذها بغطرسة احتلالهم.

فقد يغيب عن ذهن المقدسية ليلى العيساوي (73 عاما) والدة الأسرى سامر وشادي موعد مراجعة الطبيب، لكنها لم تنس أن تثبت في ذاكرتها جيدا أن سجون الاحتلال حرمتها من وجود أبنائها حولها في الأعياد والمناسبات لخمس وثلاثين عاماً.

تتحدث ليلى والدة الأسرى لـ"وكالة سند" عن تجربة العائلة في الأسر قائلة: "منذ عام 1987م لم نجتمع كأسرة في المنزل، فدائما هناك من يقبع خلف القضبان من أبنائي".

أحن للمشاكسات

"تختخوا بالسجون" بهذه الكلمات تصف "العيساوي" حال أبنائها الستة الذين لم يسلموا من الاعتقال طيلة حياتهم، حيث حرم الاحتلال بعضهم من العيش بحرية، واستكمال دراستهم."

 ولا يقتصر وجع الأم على أبنائها الأسرى، بل يتجدد جرحها مع الذكرى السنوية لاستشهاد ابنها فادي الذي اغتاله رصاص الاحتلال عام 1994 وكان يبلغ من العمر حينها 17 عاما.

image (1).jpg
 

 وتستحضر "العيساوي" أبناءها الذين تتناوب السجون على تغيبهم عن عيناها، ابنتها شيرين والتي قضت حكماً بالسجن الفعلي 4 أعوام، وأفرج عنها الأسبوع الماضي، عدا عن عامين ماضيين تعرضت فيه للأسر والحبس المنزلي.

 وابنها سامر الذي أمضى أكثر من 21عاماً في سجون الاحتلال وخاض إضرابا طويلا وما زال يعاني الأسر، وابنها الأسير مدحت والذي سرق الاحتلال 27 عاماً من عمره، وترك له أول 14 عاماً فقط قضاها في حضن أمه.

ووصل مجموع ما قضاه أبناؤها الثلاثة (شيرين ومدحت وسامر) في الأسر حتى الآن 62 عاما.

ولا تبدو لرحلة عذاب العائلة نهاية قريبة، إذ تدهم قوات الاحتلال منزلهم بين الحين والآخر لتفتيشه، وتسليم بلاغات لمراجعة مراكز التحقيق لمن يكون من أبناء العائلة حراً في بعض الأوقات.

قرار هدم

"قد تكون الذاكرة هي الفردوس الذي لا يستطيع أحد طردنا منه"، فكيف إذا كانت الذاكرة هذه فحواها بيتٌ جمع زوجين وخمسة من الأبناء، مداد حياتهم فيه تعدت الـ 50 عاماً؟

بصوت خافت يشي بثقل ما تحمله من أوجاع في قلبها، تستعيد "العيساوي" ذكريات بيتها الذي دخلت إليه وهي عروس 19 عاما، لتمضي فيه 50 عاماً من عمرها، فالمنزل المحاط بالأشجار الخضراء والورود كان مرتعا لحب عائلة كبرت في جنباته، ومرح وشقاوة اطفال كبروا فغيبهم الاحتلال عن منزلهم، والتهمة "عشق الوطن".

اعتبرت عائلة العيساوي قرار بلدية الاحتلال بهدم منزلها في بلدة العيسوية بـالقدس انتقاميا، يندرج تحت إطار الإجراءات التعسفية غير القانونية التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية ضد المقدسيين.

وتفاجأ طارق وليلى والدا الأسرى سامر ومدحت وشيرين العيساوي آنذاك، بقرار هدم منزل العائلة، وذلك بعد عودتهما للمنزل من زيارة ابنتهما الأسيرة شيرين بسجن "هشارون".

وكان في ذلك الحين يخوض ابنها الأسير سامر وهو صاحب الإضراب الشهير عن الطعام الذي استمر لـ278 يوما، سبيل حريته بعد أن أعاد الاحتلال اعتقاله عقب الافراج عنه في صفقة عام 2011.

Cmkwau37R8b01-7LWmCApW5-nbEPYix7.jpg
 

تؤكد العيساوي لـ " وكالة سند" أن العائلة أوكلت محامياً للدفاع عن قضيتهم، ومنع الاحتلال من تنفيذ أمر الهدم، وأردفت أن سلطات الاحتلال هدمت منزل ابنها "رأفت" قبل سنوات بحجة عدم الترخيص.

وحدة إجبارية

تقول الأم السبعينية أنها لم تختر الحياة الهادئة بل فُرضت عليها، فالوحدة كما تقول "صعبة خاصة أنني أعاني من عدة أمراض، وهذا يجعلني حساسة جدا، وأتمنى أحيانا لو بإمكان أحد أبنائي مناولتي قرص الدواء، أخشى الرحيل عن الحياة قبل احتضانهم وهم محررون".

تضيف بنبرة مرتعشة "أعيش الآن مع زوجي وحدنا وأشتهي سماع صوت أحدهم يُحرك ساكنا في هذا المنزل الكبير الفارغ، وأتمنى أن يخرج سامر من السجن وأزوجه قبل أن أموت".

عيدٌ وحيد

f5010318-f6db-426f-9142-29a7c24e0f63.webp
 

أما الأب طارق العيساوي فتطرق لغياب فرحة العيد عن منزلهم باستمرار، وعدم انشغاله وزوجته بالتحضير لطقوسه من حلويات وما شابه، واستذكر عيد الأضحى في عام 2013 عندما خرج أبناؤه جميعا من الأسر لمدة شهرين فقط وقضت العائلة العيد مجتمعة.

وعن ذكريات ذلك العيد قال لـ "وكالة سند" "لم أكن أعرف أن العيد جميل لأنني لم أشعر يوما ببهجته، أذكر أننا صنعنا كمية كبيرة من المعمول حينها وشارك ابني سامر في صنعه، وأعدّت زوجتي وبناتي شيرين ورشا طعام الغداء، شعرنا جميعا بفرحة عارمة حينها".

فيما تضيف الأم "انحرمنا نجتمع في الأعياد فنحن ندير للأعياد ظهورنا، مع مين بدي احتفل وأولادي بالسجن، فلا يأتي عيد إلا وتمنع القضبان الحديدة ثلاثة أو أربعة من أولادي من الوجود معنا".

كورونا زادت العبء

ولم يتوجه المسنان ليلى وطارق العيساوي لزيارة أبنائهم الأسرى منذ عامين، فتقول "العيساوي": " زادت كورونا عبء هذه الحياة الثقيلة على كاهلنا، فلم نزر أي ولد من أولادنا منذ عامين بسبب وضعنا الصحي الصعب، وبسبب خوف أبنائنا علينا من الإصابة بالفيروس بسبب الاكتظاظ خلال الزيارات بسبب جائحة "كورونا".

وتستذكر أجواء الزيارة فتقول الأم " إنه رغم العناء الجسدي الكبير الذي يرافق الزيارة، فإنه يزول تماما بمجرد رؤيتهم، حتى وإن كانت وجوههم لا تبدو واضحة تماما بسبب كثافة الزجاج الذي يفصل بينهم وبيننا".

معاناة صحية

 وتعاني الأم السبعينية من تدهور بوضعها الصحي الذي لا يشهد تحسناً كثيرا في بعض الأحيان فتقول" منذ استشهاد فادي وصحتي بتدهور مستمر، اجتمعت عليّ أمراض السكري والأعصاب ومشاكل في العظام.

SVkRR.jpeg
 

تقول بصوت اختلط بالدموع" أعاني حاليا من ورم بجسدي وأجمع الأطباء على ضرورة استئصاله، مما اضطر ابني مدحت للقبول بقرار الإفراج المشروطاً بالإبعاد عن منزله في بلدة العيسوية لمدة 25 يوما بالإضافة إلى دفع غرامة مالية قدرها 1000 شيقل، حتى يستطيع أن يكون بجانبي في عمليتي الجراحية".

ووجهت محكمة الاحتلال  لابنها "مدحت" تهمة التواجد مع مجموعة من الشبان الذين يطلقون الألعاب النارية.

وتتابع: "أن ابنتها شرين التي لم يمض على خروجها من سجون الاحتلال أسبوع، ستكون مرهما لأوجاعها بجانب أخيها مدحت".

وتضيف "أن أقصى أماني الآن أن أتحسس وجوه سامر وشادي المعتقلين لدى الاحتلال قبل ما أموت وأن أزوجهم".