الساعة 00:00 م
الإثنين 19 أكتوبر 2026
23° القدس
21° رام الله
22° الخليل
25° غزة
4.12 جنيه إسترليني
4.36 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.09 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

فحوصات معطلة ومواعيد مؤجلة.. الشلل التشخيصي يهدد مرضى غزة

أزمة الكاش وإغلاق المعابر.. نصف مليار شيكل محتجزة خارج تداول غزة

بين ألم المرض وحصار الموت..

خاص بالفيديو الطفل محمد الجبالي جسد يذبل على أجهزة التنفس

حجم الخط
الطفل محمد الجبالي بغزة
غزة - وكالة سند للأنباء

لم يعد مرض السرطان في قطاع غزة مجرد مرض عضال يحارب الجسد، بل تحول بفعل الحصار المطبق والانهيار الشامل للمنظومة الصحية إلى "حكم مؤجل بالإعدام".

وفي أروقة العناية المركزة، يعيش آلاف الأبرياء فصولًا يومية من الموت البطيء، وتتجسد مأساتهم القاسية في تفاصيل معاناة الطفل محمد الجبالي (7 سنوات)، الذي يصارع سرطان الدم والنخاع العظمي محاصرًا بانعدام الأدوية وأجهزة التنفس المتقدمة، ليكون رمزًا حيًا لمعاناة جماعية تمتد على مساحة القطاع بأكمله.

محمد.. طفولة تواجه الموت البطيء 

منذ نحو أربعة أشهر، انطلقت معركة الطفل محمد الجبالي مع سرطان حاد في الدم والنخاع العظمي، لتتوقف طفولته عند عتبات غرف الموت البطيء.

ورغم أن المرض حرمه من القدرة على المشي والحركة طوال سبعة أشهر كاملة، فإن المعركة الأقسى تتمثل في انعدام البدائل العلاجية واعتماد حالته كليًا على أجهزة التنفس الصناعي وسط غياب الأدوية التخصصية المنظمة لضربات القلب والضغط.

وتروي والدة الطفل "الجبالي" لـ "وكالة سند للأنباء" مرارة المشهد وهي تقف إلى جواره قائلة بحرقة بالغة: "ابني تعبان ووصل لمرحلة الموت.. صارله أربعة أشهر مشخّص بالسرطان، وابني رفض جسمه العلاج".

وتحكي الأم أن ابنها "الجبالي" الآن يتنفس حصرًا عبر جهاز تنفس صناعي، ودخل في غيبوبة كاملة منذ الأمس؛ "لقد فقد القدرة على الحركة، ويعاني من هبوط حاد وضعف شديد في دقات القلب وسط عجز تام عن توفير الأدوية المنظمة".

وبصرخة مكلومة ومجروحة، تختم الأم حديثها بمناشدة إنسانية قائلة: "أنا أسترحم كل الدنيا وكل ضمير حي.. ابني يضيع من بين إيدينا، ونفسي يسافر ويلاقي فرصة للعلاج قبل فوات الأوان".

واقع كارثي وأرقام صادمة لمرضى السرطان بغزة

وتعكس الحالة القاسية للطفل محمد مأساة أوسع يعيشها مرضى الأورام في قطاع غزة.

وتشير التقارير الطبية الرسمية ومنظمة الصحة العالمية إلى وجود 12,500 مريض بالأورام والسرطان في قطاع غزة، مع تسجيل آلاف الحالات الحرجة التي تفتقر لأبسط مقومات المتابعة المخبرية والتشخيصية، في ظل عجز مستشفيات القطاع عن استيعابهم بعد خروج المستشفيات التخصصية (كالمستشفى التركي-الفلسطيني) عن الخدمة تمامًا.

وسبق أن أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة في تقاريرها الدورية أن العجز الدوائي العام بلغ مستويات قياسية وصلت إلى 47%، بينما تصدرت أدوية السرطان وأمراض الدم قائمة الأصناف الأكثر نقصًا وعجزًا مسجلة نسبة بلغت 61%، الأمر الذي أدى إلى شلل كامل في القدرة على تقديم البروتوكولات العلاجية الكيماوية والإشعاعية للمرضى.

إلى جانب العجز الدوائي، يعاني آلاف الجرحى ومرضى الأورام  من حرمان قسري من السفر لتلقي العلاج التخصصي خارج القطاع، بسبب استمرار إغلاق المعابر والقيود المشددة، مما يرفع يوميًا حصيلة الوفيات بين صفوف مرضى السرطان الذين تحولت أسماؤهم إلى أرقام على قوائم الانتظار والموت البطيء.

واقع متأزم وحقيقة أعداد الإصابات

وفي هذا سياق الحديث عن الواقع المتأزم الذي يحياه مرضى السرطان في ظل تصاعد الإصابات بالأورام السرطانية بقطاع غزة، كشف رئيس مركز غزة للسرطان، محمد أبو ندى، في تصريحات خاصة سابقة لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الارتفاع الملحوظ في أعداد الحالات المسجلة حديثًا لا يعكس بالضرورة زيادة مفاجئة في معدلات الإصابة الأصلية.

وأوضح "أبو ندى" أن هذا الارتفاع ناجم عن تمكن أعداد إضافية من المرضى من الوصول تدريجيًا إلى المرافق الصحية بعد أشهر من تعذر التشخيص بسبب جحيم الحرب والنزوح.

وأشار إلى أن الأشهر الأولى للعدوان شهدت رحيل عدد من المصابين بصمت دون تشخيص طبي نتيجة الانهيار التام للخدمات وقسوة الحصار، مؤكدًا أن تحسن القدرة على التنقل مؤخرًا دفع من تظهر عليهم الأعراض لمراجعة المراكز الطبية.

وعلى صعيد الخسائر البشرية، أفاد "أبو ندى بأن معدل الوفيات اليومي بين مرضى الأورام يتراوح بين حالتين إلى ثلاث حالات، لافتًا النظر إلى أن حصيلة الوفيات منذ شهر أكتوبر الماضي بلغت نحو 250 حالة، في حين كان المعدل السنوي الطبيعي قبل الحرب يتراوح بين 400 و500 وفاة.

وأوضح أن النقص الحاد في الفحوصات والأدوية فرض على الطواقم الطبية واقعًا معقدًا، يُجبرهم أحيانًا على الاكتفاء بصرف المتاح من العلاجات المتاحة وإعادة المرضى لمنازلهم لتعذر استكمال البروتوكولات التشخيصية بدقة.

شح الأجهزة وغياب التشخيص المبكر

من جانبه، أكد مدير التمريض بمركز غزة للسرطان، طارق المحروق، في تصريحات خاصة سابقة لـ "وكالة سند للأنباء"، أن التحديات تبدأ منذ اللحظات الأولى لاكتشاف المرض بسبب العجز الهائل في الفحوصات المخبرية وأدوات الكشف المبكر.

وأوضح "المحروق" أن قطاع غزة بأسره لا يضم حاليًا سوى جهازين فقط للتصوير الطبقي (CT) موزعين بين غزة وخان يونس، وهو رقم هزيل يعجز كليًا عن تلبية احتياجات أكثر من 10 آلاف مريض.

كما لفت إلى الغياب التام لأجهزة حيوية أخرى كتصوير الثدي (Mammogram) والتلفزيون (Ultrasound)، فضلًا عن النقص الخطير في الأدوية الكيماوية والمسكنة، مما يؤدي إلى تأخر تشخيص الأورام ويرفع معدلات المضاعفات القاتلة.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن واقع آلاف المصابين بالسرطان في غزة يبرهن على أن بطء العلاج وغياب الأدوية يشكلان حكمًا جماعيًا بالإعدام، مما يستدعي تدخلًا دوليًا عاجلًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.