بين خيمة مهترئة لا تقي برد الشتاء، وأطفال ينتظرون وجبة قد لا تتوافر، تعيش عائلات نازحة في قطاع غزة على وقع مخاوف متجددة من الجوع، بعدما أثار قرار برنامج الأغذية العالمي وقف المساعدات الغذائية عن مئات الآلاف من المواطنين قلقًا واسعًا بين الأسر التي باتت تعتمد على الطرود التموينية ووجبات التكيات الخيرية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها اليومية.
بالنسبة إلى هذه العائلات، لا تمثل المساعدات الغذائية مجرد دعم إضافي، بل شريان حياة في ظل انعدام القدرة على شراء المواد الأساسية، وتدهور الأوضاع المعيشية، واستمرار النزوح في ظروف قاسية تتفاقم مع اقتراب فصل الشتاء.
وبين شحّ الغذاء واهتراء الخيام ومخاطر القصف وإطلاق النار، تتسع مخاوف النازحين من أن يتحول نقص المساعدات إلى أزمة جوع أشد وطأة على أطفالهم وأسرهم.
وتقول النازحة الفلسطينية صمود الكفارنة، التي نزحت من بلدة بيت حانون شمالي قطاع غزة وتقيم حاليًا في منطقة المقبرة بخانيونس، إن عائلتها استيقظت على وقع صدمة قرار وقف المساعدات الغذائية، مؤكدة أن هذه المعونات تمثل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في ظل عجزهم عن توفير احتياجاتهم بأنفسهم.
وتوضح "الكفارنة" لـ"وكالة سند للأنباء" أن أسرتها تعتمد على المساعدات التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، إلى جانب وجبات التكيات الخيرية، لتأمين الطعام.
وتشير إلى أن ما تحصل عليه من مواد أساسية، كالطحين وزيت السيرج، يساعدها في إعداد وجبات بسيطة لأطفالها، في وقت لم تعد فيه قادرة على شراء هذه الاحتياجات من الأسواق.
وتضيف أن ظروف النزوح في خانيونس شديدة القسوة، في ظل استمرار إطلاق النار وأصوات القصف منذ ساعات الفجر، فضلًا عن تدهور المأوى الذي تقيم فيه، قائلة إن خيمتها "مهترئة جدًا" ولا تصلح لمواجهة برد الشتاء، فيما تضم أسرتها ثمانية أطفال يحتاجون إلى الغذاء والمأوى والحماية.
ولا تقف مخاوف "الكفارنة" عند تأمين وجبة اليوم، بل تمتد إلى ما ينتظر أطفالها مع اشتداد البرد وهطول الأمطار، في ظل غياب الإمكانات اللازمة لإصلاح الخيمة أو استبدالها، وتراجع المساعدات التي تعتمد عليها الأسرة للبقاء.
من جانبها، تعبّر النازحة الفلسطينية أم محمد شبات عن قلقها من تداعيات وقف المساعدات الغذائية، مؤكدة أن القرار أثار مخاوف واسعة بين المواطنين الذين يعتمدون على ما تقدمه التكيات الخيرية والمساعدات الإنسانية لتأمين قوتهم اليومي.
وتقول "شبات" إن التكيات توفّر الطعام بصورة متقطعة، يومًا بعد يوم، لكن هذه الوجبات لا تكفي لتلبية احتياجات أسرة تضم عشرة أفراد أو أكثر، خصوصًا في ظل ارتفاع الاحتياجات الأساسية وانعدام القدرة على توفير بدائل.
وتحذّر من أن استمرار توقف المساعدات قد يفاقم الجوع ويعرّض مزيدًا من العائلات لخطر المجاعة، مطالبة برنامج الأغذية العالمي بمواصلة تقديم الدعم الغذائي، ومؤكدة أن الأسر النازحة وصلت إلى مرحلة من الإنهاك لم تعد معها قادرة على تحمّل أعباء إضافية.
وتختصر شهادتا "الكفارنة" و"شبات" واقع آلاف الأسر التي تواجه معركة يومية لتأمين الطعام، في وقت لا تقتصر فيه معاناتها على الجوع، بل تتداخل مع النزوح المتكرر، وانعدام المأوى الملائم، ومخاطر البرد والأمطار، والخوف المستمر على حياة أفرادها.
وقف المساعدات لنصف مليون غزِّي
ويأتي قلق النازحين في أعقاب إعلان برنامج الأغذية العالمي، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اضطراره إلى خفض مساعداته الغذائية في قطاع غزة بنحو الثلث، بسبب نقص التمويل، بما يحرم نحو نصف مليون شخص من المساعدات الشهرية، ويقلّص عدد المستفيدين من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص.
وبحسب البرنامج، تشمل الإجراءات خفض الحصص الغذائية إلى النصف، وتقليص الوجبات الساخنة اليومية من نحو 250 ألف وجبة إلى 150 ألفًا، ووقف المساعدات النقدية لنحو 75 ألف أسرة.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه التحسينات المحدودة في الأمن الغذائي هشة، ويواجه نحو 1.4 مليون شخص في القطاع مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وحذّر البرنامج من أن استمرار نقص التمويل قد يقوّض ما تحقق من تحسن محدود، مؤكدًا حاجته إلى نحو 450 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة لمواصلة عملياته الإنسانية في غزة والضفة الغربية.
