بينما يتجرع أهالي قطاع غزة مرارة الفقد والنزوح المستمر جراء حرب الإبادة الجماعية، تبرز حكايات الصمود والبطولة لشخصيات تحولت مأساتها الشخصية إلى رسالة حياة وعطاء إنساني لا ينقطع.
ومن قلب الميدان، تجسد المسعفة آية الدحدوح، قصة ألم تمتد بين فقدان شريك الحياة وانهيار الاستقرار الأسري، لتتحول غرف الطوارئ وسيارات الإسعاف إلى مساحة لبلسمة جراح الآخرين.
متاهة النزوح وقسوة الفقد
تسترجع آية الدحدوح، المتطوعة بجهاز الإسعاف والطوارىء في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، ذكريات الاستقرار الذي عاشته منذ زواجها عام 2018 وحتى اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر.
وتروي آية لـ "وكالة سند للأنباء" تفاصيل التحول المفاجئ في حياتها قائلة إنها تعرضت لرحلة نزوح قاسية، تكررت أكثر من 17 مرة من منزلها ومنطقتها خلال حرب الإبادة.
وتحكي بحرقة قلب عن تجرعها مرارة فقدان طفلها الرضيع الذي لم يتجاوز أيامه الأولى، إلى جانب استشهاد زوجها وسندها الأساسي، الذي كان يدعم طموحاتها ودراستها الجامعية، وعملها.
من ألم الفقد إلى رسالة الإنقاذ
توضح آية الدحدوح التي تطوعت في الهلال الأحمر منذ عام 2014، والتحقت بجهاز الإسعاف والطوارئ منذ عامين، أن عملها الإسعافي يتجاوز مفهوم الوظيفة الروتينية.
وتقول: "جهاز الإسعاف والطوارئ لا يمثل لي مجرد وظيفة أذهب إليها وأعود منها، بل كنت أرى في كل طفل مصاب ابناً لي، وفي كل شخص محتاج أخاً، ليمثل هذا الجهاز يد العون والمساعدة الإنسانية لكل محتاج وسط الدمار."
وتختتم آية مسيرتها اليومية بالتنقل بين مهامها الإنسانية والخدمات الإسعافية، مرسلةً رسالة صمود وبقاء تؤكد فيها إرادة الكوادر الطبية الفلسطينية في مواصلة رسالتهم رغم قسوة الظروف.
خط الدفاع الأول تحت النار
منذ بدء العدوان وحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، دفع القطاع الصحي ثمناً باهظاً من أرواح كوادره العاملة؛ حيث تعرض المسعفون، الأطباء، وطواقم الإسعاف والطوارئ لعمليات استهداف مباشر وممنهج أدت إلى استشهاد واعتقال المئات منهم أثناء تأدية واجبهم الإنساني، فضلاً عن تدمير عشرات مركبات الإسعاف والمراكز الطبية.
تعيش الكوادر الطبية، كغيرها من أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، دوامة قاسية من النزوح القسري المتكرر الذي يصل أحياناً إلى عشرات المرات، محملين بأعباء الفقد الشخصي والعائلي الهائل، والعيش في خيام النزوح وسط انعدام أبسط مقومات الحياة الأساسية من مياه وكهرباء وغذاء.
على الرغم من قسوة الفقد وفقدان الأحبّة والأطفال والبيوت، تواصل الكوادر الطبية والمتطوعون في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والخدمات الإسعافية أداء رسالتهم الإنسانية السامية. ولا يقتصر دور المسعفين على تقديم الإسعافات الأولية ونقل الجرحى فحسب، بل يتحولون إلى سند نفسي واجتماعي ومصدر أمل للمنكوبين والأطفال وسط بيئة كارثية لا تقم فيها حصانة لأي إنسان.
استهداف الكوادر الطبية بقطاع غزة
تشير التقارير الرسمية إلى استشهاد نحو 1,250 من كوادر القطاع الصحي (بما يشمل الأطباء، والممرضين، والصيادلة، والفنيين الإداريين) أثناء تأدية واجبهم الإنساني والطبي داخل المستشفيات والنقاط الطبية.
وبحسب المعطيات، فقد استشهد أكثر من 314 ممرضاً وممرضة منذ بداية الحرب. فيما ارتقى أكثر من 132 طبيباً من مختلف التخصصات الاستشارية والجراحية الدقيقة.
تكبدت طواقم الإسعاف بما فيها مسعفو جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، والدفاع المدني، خسائر فادحة تمثلت في استشهاد العشرات أثناء استجابتهم لنداءات الاستغاثة وإجلاء الجرحى تحت القصف.
وتعرض العشرات من الكوادر الطبية والأطباء للاعتقال والاحتجاز خلال اقتحام وتدمير المستشفيات، مثل: مجمع الشفاء، ومستشفى ناصر، وسط ظروف قاسية ومعاملة غير إنسانية.
وتضررت غالبية مراكز الإسعاف والطوارئ، والمستشفيات، والنقاط الطبية إما كليا أو جزئيا، فضلاً عن خروج أعداد هائلة من مركبات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والخدمات الطبية عن الخدمة بشكل نهائي جراء استهدافها بالقصف المباشر أو تجريفها أثناء العمليات العسكرية.
أدى النقص الحاد في الوقود والمستلزمات الطبية الأساسية إلى جانب الاستهداف المستمر إلى شلل شبه تام في قدرة طواقم الإسعاف على الوصول الفوري إلى المصابين، مما ضاعف بشكل مرعب من أعداد الوفيات في صفوف الجرحى الذين نزفوا طويلاً قبل الوصول للمرافق الصحية المتهالكة.
