الساعة 00:00 م
السبت 31 أكتوبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
24° غزة
4.16 جنيه إسترليني
4.39 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.11 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

بالفيديو والصور احتضنت وجع عائلتها فصار بيتها ملاذًا.. قصة مريم الحساينة مع أيتام غزة

حجم الخط
مؤسسة دار الرحمة
غزة - هداية عصمت حسنين - وكالة سند للأنباء

تبتكر الحياة في قطاع غزة مساراتها الخاصة وسط الوجع، ومن بين تفاصيل الحزن العميق، تبحث الأسر المكلومة عن مساحات تُعيد الطمأنينة المسلوبة، ومن هنا وُلدت "دار الرحمة للأيتام" لتبث دفئًا في أرواح صغارٍ جردتهم الحرب من بيوتهم وعائلاتهم، فكانت بمثابة الوطن الصغير الذي يحتضن آلامهم النفسية.

وتتلخص هذه المأساة في تجربة السيدة مريم الحساينة، التي خيمت الفاجعة على حياتها باستشهاد أكثر من 300 شخص من عائلتها، كان من بينهم 38 من أقرب الناس إليها، وفي مقدمتهم اثنان من أبنائها ومجموعة من أحفادها خلال حرب الإبادة.

ورغم هول الصدمة، وقفت مريم أمام كابوس الضياع الذي يتهدد أطفال العائلة الصغار بعدما أضحوا بلا أب ولا سند، لتؤسس من قلب الوجع النواة الأولى لدار الأيتام.

من وجع الفقد إلى ميلاد الأمل

حين تستحضر السيدة مريم الحساينة تفاصيل البدايات الأولى لـ "دار الرحمة للأيتام"، تفتح نافذة على وجع يعجز الوصف عن إحاطته؛ إذ لم تكن تخطط يومًا لتأسيس مؤسسة ضخمة، بل كانت أماً مكلومة تحاول التقاط أنفاسها وسط دوامة من الفقد الهائل الذي خلفته حرب الإبادة.

وتؤكد مريم لـ "وكالة سند للأنباء" في شهادتها المؤثرة أن المشهد الأكثر إيلاماً للقلب لم يتجسد في حجم الدمار المادي الذي لحق بعائلتها جراء الحرب فحسب، بل في ذلك الجيش الصامت من الأطفال والرضع والأحفاد الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها في مهب الريح بلا أب يحميهم ولا أم ترعاهم.

4c0b26c0-b57e-4be6-9596-980b03a54f87.jpg
 

وتسترجع تلك اللحظة الفارقة قائلة: "حين رأيت هؤلاء الأطفال يحملون يتمهم على أكتافهم الصغيرة وهم لا يدرون أين يذهبون، أحسست أن أبنائي وأحفادهم الراحلين لم يموتوا تماماً، بل انتقلت أطيافهم لتعيش في عيون هؤلاء الصغار.. قلت لنفسي: بيتي وقلبي المكسور يجب أن يكونا الملاذ والسند لهم جميعاً".

وانطلاقاً من هذا شعرت شرارة "دار الرحمة"، فلم تقتصر الفكرة على توفير سقف أو وجبة طعام، بل تجسدت كمشروع لإعادة ترميم الروح؛ إذ كانت مريم تسعى من خلال كل طفل تحتضنه إلى رتق ما تمزق من شتات عائلتها.

وتضيف بوصفها الحاني: "كنا نبدأ من الصفر، الطفل يأتينا خائفاً، منكماشاً على روحه، يظن أن العالم انتهى عند قصف بيته واستشهاد عائلته.. وكان لزاماً علينا أن نكون له العائلة والبيت والأمان الذي يمحو طيف الرعب".

ولتبلغ الدار غايتها، تحولت تدريجياً بفضل إصرارها وصدق رسالتها إلى واحة تنبض بالحياة، وكأنها دواء لشفاء قلوب أثقلها الفقد وقسوة الأيام.

9a63360d-982c-4dc5-b0cf-ffd774361290.jpg

587dd35e-3cce-44c8-9279-53534778a2c4.jpg
 

خلية نحل من الرعاية والاحتواء

وتوضح جميلة عليوة، مشرفة دار الرحمة للأيتام، تفاصيل الرعاية الميدانية التي تقدمها الدار للأطفال الأيتام منذ لحظة التحاقهم بها وحتى اندماجهم المجتمعي، قائلةً إنّ دار الرحمة تحتضن حاليًا نحو 75 طفلًا وطفلة ضمن نظام الرعاية الدائمة ممن باتوا بلا أب وأم أو معيل، إثر استشهاد والديهم في حرب الإبادة.

وحول الأعمار، توضح لـ "وكالة سند للأنباء" أنها تتراوح ما بين (4 إلى 12 سنة) للذكور، ويمتد السن للإناث حتى (14 أو 15 عامًا) لضمان بقائهن برفقة أخواتهن وإخوانهن ضمن الأسرة الواحدة.

إلى جانب ذلك، تقدم الدار رعاية يومية لأطفال آخرين (ممن فقدوا أحد الأبوين)؛ إذ يتوافدون صباحًا لتناول وجبات الإفطار، وتلقي الدعم والتعليم المساند، والمشاركة في الأنشطة قبل عودتهم إلى محيط عائلاتهم الممتدة، وفقًا لـ "عليوة".

a850a2ef-3bea-4f20-812a-46433877559a.jpg

f41a459b-cb67-4a2d-8dc9-fddbd6f7b6e9.jpg
 

ولا تنحصر خدمات الدار في الإيواء، بل تمتد لتشمل برامج تعليمية كاملة تعوض الفاقد التعليمي؛ حيث تضيف "عليوة" أن الدار أنشأت مدارس "جسور الرحمة" التي وصل طلابها بعد سنوات قصيرة إلى صفوف متقدمة، مدعومة ببرنامج "تعليم مساند" بالتعاون مع معلمين مختصين لتطوير قدرات الأطفال الأكاديمية.

وتلفت "عليوة" إلى أن الدار تخصص مساحات للترفيه والرياضة، ككرة القدم والألعاب التربوية، لتفريغ طاقات الأطفال وصدماتهم النفسية ضمن بيئة تفاعلية سليمة.

وتشير إلى أن النظرة المجتمعية في البداية كانت محاطة بالحذر والتخوف من الأوصياء على الأيتام جراء فكرة مبيت الأطفال بالمؤسسات، لكن مع لمس مستوى الرعاية والاهتمام بصحتهم وتعليمهم ونفسيتهم، انقلبت الصورة تمامًا؛ وغدا الأقارب وأوصياء الأيتام بأنفسهم هم من يأتون لطلب تسجيل أطفالهم في الدار.

الدعم النفسي وإعادة ترميم الروح

يمثل الجانب النفسي الجرح الأعمق الذي يتطلب يد حانية تلمس وجع الأرواح المنهكة، وعن هذا الجانب، تتحدث الأستاذة ولاء البرعي، الأخصائية النفسية في دار الرحمة للأيتام، شارحةً طبيعة التحديات والتدخلات النفسية اليومية.

وتؤكد الأستاذة ولاء لـ "وكالة سند للأنباء" أن جل التركيز ينصب على تقديم الدعم النفسي، والاحتواء، وتجاوز الصدمات لأطفال فقدوا كل مقومات الأمان الأسري.

وتضيف أن الأمر لا يقف عند مجرد تقديم كلمات مواساة، بل يتعداه إلى الاستماع العميق، وفهم مشاعر الأطفال، ومشاركتهم تفاصيل أزماتهم لمساعدتهم على تجاوزها.

وخلال عملها بالدار، رصدت الأخصائية النفسية حالات بالغة التعقيد شملت: الانطواء الشديد، العزلة، الاكتاب، الكوابيس الليلية المتكررة، والخوف العميق والمركب.

وتضاعفت قسوة هذه الحالات عندما ارتبطت الأحداث بذكريات قاسية ومباشرة مثل: أيام المجازر الدامية التي تركت أثرها المدمر في نفوس الأطفال.

وتشير البرعي إلى أن الأطفال في البداية كانوا يشعرون بحساسية مفرطة تجاه اسم "دار الأيتام"، بل إن بعضهم كان يخشى هذه الكلمة باعتبارها "وصمة".

وتستدرك أنه بفضل سياسة المحاكاة الأسرية الكاملة والدمج، تحولت الدار في وجدانهم إلى عائلة حقيقية؛ حتى إن الأطفال باتوا يطلبون المبيت بشوق، وأصبحوا سعيدين بانتمائهم لدار الرحمة، وينقلون تفاصيل دفئها لأقرانهم في المدارس والمحيط الخارجي.

وتسرد ضيفتنا كيف واجهت الدار حالات إنسانية استثنائية، مثل: طفلات صغيرات أُلقيت على عواتقهن فجأة مسؤولية رعاية أشقائهن الأصغر سنًا في ظل غياب الأبوين، مشيرةً إلى أنه هنا يبرز دور الدار لترميم هذه التشققات النفسية عبر جلسات التفريغ الجماعي والفردي، وإعادة الإحساس بالأمان والطفولة المسلوب.

واقع الأيتام بغزة

وبناءً على أحدث بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، الصادرة في أكتوبر/ تشرين الأول الجاري 2026، ارتفع إجمالي عدد الأيتام في قطاع غزة ليصل إلى حوالي 71 ألفَ طفلٍ يتيم، من بينهم 54 ألفًا و468 طفلاً فقدوا أحد والديهم أو كليهما بشكل مباشر خلال حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023.

وبحسب المعطيات، يعيش 3 آلافِ طفلٍ دون وصايةٍ أو رعايةٍ قانونيةٍ مسجلةٍ نتيجة استشهاد العائلة الممتدة بالكامل، فيما يتولى الأجداد والجدات رعاية أكثر من 16 ألفًا و798 طفلاً في ظروفٍ معيشيةٍ بالغةِ القسوةِ داخل مخيمات النزوح.

وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، فإن هناك ما لا يقل عن 17 ألف طفل في غزة أصبحوا غير مصحوبين أو منفصلين عن ذويهم، والعديد منهم فقدوا كلا الوالدين أو أحدهما.