الساعة 00:00 م
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026
22° القدس
22° رام الله
21° الخليل
26° غزة
4.12 جنيه إسترليني
4.35 دينار أردني
0.05 جنيه مصري
3.45 يورو
3.08 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

ألفٌ منهم بغزة.. رفضٌ فلسطينيٌّ لخطة "أونروا" بتقليص 13% من كادرها الوظيفي

"ولكن شيبتني الوقائع".. ممرض من غزة يحوّل فاجعة مجزرة عائلته إلى وثيقة للذاكرة

حجم الخط
الممرض سعيد أبو العيش
غزة - أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

لم يكن الممرض الفلسطيني سعيد أبو العيش يتخيّل أن يعود من عمله في مستشفى الشفاء ليجد حياته قد تبدّلت إلى الأبد؛ ففي 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، استهدف قصف إسرائيلي منزل عائلته في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، حيث كان يقيم عدد من أقاربه النازحين، ليبرح المكان وهو يفقد زوجته وابنتيه وشقيقته وزوجها وأطفالهما وأفرادًا آخرين من عائلته، في مجزرة أودت بحياة 21 شخصًا، وفق روايته.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أبو العيش (34 عامًا) يواجه الموت في عمله الميداني فحسب، بل صار يحمل خسارته الشخصية جنبًا إلى جنب مع شهادات من عايشوا الحرب، مدوّنًا تفاصيل المجازر والنزوح والجوع في كتاب اختار له عنوان "ولكن شيبتني الوقائع".

أين زوجتي وبناتي؟

يستذكر أبو العيش لحظاته الأخيرة مع عائلته قبيل القصف؛ إذ كانت زوجته تتطلع إلى السماء الملبدة بطائرات الاحتلال، بينما تمسكت به ابنته الصغيرة وهي تردد كلمة "بابا" بلهفة غير معتادة، قبل أن يحتضنها لآخر مرة.. وما هي إلا دقائق معدودة حتى دوّى الانفجار.

سقط مجروحًا وفاقدًا للوعي، ليستيقظ في المستشفى بعد نحو ثلاث ساعات ووالدته المصابة إلى جواره.

كان أول ما التهمته لهفته السؤال عن زوجته وابنتيه، ورغم إصاباته الحادة والحروق التي غطت وجهه ورقبته ظهره، أصرّ على العودة إلى أطلال المنزل مع ساعات الصباح الأولى.

هناك، تصادمت عيناه مع آثار المأساة تحت الركام؛ فرأى رؤوس أطفال شقيقته وشعورهم بارزة بين الأنقاض، بينما عُثر على جثمان زوجته وقد سقط عليها عمود إسمنتي.

كانت الأجساد قد سُحقت تحت الكتل الخرسانية، ولم يتمكن في البداية إلا من انتشال ثمانية جثامين من أصل 21 ضحية، بحسب ما شهادته به لـ "وكالة سند للأنباء".

لم يغب عن أبو العيش زوجته وابنتاه وشقيقته وأطفالها فحسب، بل انتُزعت منه تفاصيل الحياة اليومية التي جمعته بهم؛ أحاديثهم، وذكرياتهم، ودفء وجودهم في البيت، ليمسي منذ ذلك الحين يعاود استحضارهم في ليالٍ طويلة يغالب فيها البكاء حتى طلوع الفجر.

من وجع الفقد إلى إنقاذ الأطفال

عقب المجزرة، استأنف أبو العيش الواجب التمريضي متوجهًا إلى مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة، حيث كرّس جهده للتعامل مع الأطفال والرضّع في أقسام العناية المركزة، وسط حالة من الانهيار التام للمنظومة الصحية واكتظاظ أروقة المستشفى بالجرحى والمرضى.

كان المصابون يفترشون الأرض والممرات، حتى إن بعض من خضعوا لجراحات كبرى كانوا ينتظرون الرعاية في الممرات الفاصلة.

ومع تدفق أعداد هائلة من الشهداء والجرحى دفعة واحدة، اضطر الطاقم الطبي إلى فرز الحالات وفق إمكانات شحيحة للغاية.

ولم تفارقه المشاهد القاسية للأطفال الذين تشبثوا بمعطفه وهم يتوسلون إليه: "عمو، أمانة، ما تسيبني"، أو يطلبون جرعة ماء، ينظرون إليه كطوق نجاة أخير، في وقت لم يكن يملك فيه ما يكفي لإنقاذ الجميع.

6e58cafa-f4e5-4b47-9e32-b94b056fc78e.jpg.jpeg
 

ومن أشد المشاهد إيلامًا في ذاكرته، طفلة أصيبت بحروق من الدرجة الثالثة في ظهرها، ظلت تتوسل قطرة ماء حتى فاضت روحها، وفي المقابل، كان تعافي طفل آخر -بعدما أشرف على الموت وكان يعتمد على جهاز التنفس- يمنحه القوة والدافع للاستمرار في مهامه.

غير أن دعوات الأهالي كانت تنكأ جراحه الغائرة؛ فعندما كانوا يدعون له بقولهم "الله يخلي لك بناتك"، يتراءى له طيف ابنتيه اللتين فقدهما. ورغم كل ذلك، واصل أداء رسالته حتى اللحظات التي سمحت بها الظروف، متجاوزًا الإرهاق والإصابات ونقص المستلزمات.

السند الأخير

بعد نحو ثمانية أشهر من المجزرة، تدهورت صحة والدته التي كانت قد أُصيبت في القصف ونجت؛ إذ اتصلت به في إحدى المرات تشكو ثقل التعب قبل أن يتوقف قلبها فجأة، فحاول إنعاشها يدوياً بالضغط على صدرها، ثم جرى نقلها إلى المستشفى الإندونيسي رغم خطورة الطريق وبطش الحصار.

توقف قلبها مجددًا داخل المستشفى، فطلب جهاز الصدمات الكهربائية وتمكن الأطباء من إعادة النبض، لكنها صارحته بشعورها بقرب رحيلها، مشيرة إلى أنها رأت ابنته المتوفاة "حنان" تسحبها من يدها. حاول طمأنتها ووعدها بالعودة إلى البيت صباحًا، لكنها فارقت الحياة في اليوم التالي.

 

شكّل رحيل والدته صدمة مختلفة؛ إذ كانت السند الذي اتكأ عليه بعد فقد زوجته وابنتيه، والركن الذي حمل عنه الكثير من الأعباء. عاد إلى المنزل ليتأمل سجادة صلاتها وأغراضها المتروكة على السرير، ونام محتضنًا متعلقاتها.

ولم تقف سلسلة الفقد عند هذا الحد؛ إذ استشهد شقيقه الوحيد (الأصغر منه بعام) في أغسطس/ آب الماضي، بعد أن انتظر سنوات طويلة ليُرزق بمولوده الأول، الذي أطلق عليه اسم "سعيد" محبةً بشقيقه.

كما تعرض أبو العيش للإصابة مجدداً في 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، حين خرج من مستشفى كمال عدوان لإسعاف مصابين قرب شاحنة مياه شمال القطاع، حيث أصيب في يده واضطر الأطباء لتركيب صفائح معدنية لها.

"ولكن شيبتني الوقائع"

في ظل حرمانه من هاتف صالح للاستخدام عقب المجزرة، بدأ أبو العيش بتدوين ما عايشه وسمعه على أوراق بيضاء خالية، مستمرًا في ذلك على مدار ثلاثة أشهر؛ ولم يقتصر على سرد تجربته الذاتية، بل جمع شهادات شقيقته وشقيقه وزوجة شقيقه وأقاربه وجيرانه ممن نزحوا إلى منزل العائلة، مسجلاً تفاصيل القصف ولحظات تلقيهم نبأ فقد الأحبة.

ورصد في أوراقه المشاهد المؤلمة للحرب؛ من بينها استشهاد قريبته المسنة وابنها بعد حصارهما في منزلهما بجباليا، وما عُثر عليه من بقايا جثمان ابنها لحظة وصول الأقارب، فضلاً عن رحلات النزوح الشاقة نحو شاطئ البحر، والاجتياحات المتكررة للمخيم، وتدمير المقابر وتجريف قبور أسرته، قبل أن يحفر بيديه في الأرض ليجد رفاتهم ويعيد دفنها.

52865f58-c219-441f-b71e-60ac60b59f9f.jpg.jpeg
 

ووثّق كذلك استهداف طوابير استسقاء المياه، وسقوط الشهداء والجرحى، ومشاهد المجاعة وتدافع المواطنين للحصول على المساعدات قرب منطقة "زيكيم"، إضافة إلى معالم الدمار الشامل الذي جعل التمييز بين بيته وبيوت الجيران أمراً شبه مستحيل.

لاحقاً، تمكّن من إصلاح هاتفه ونقل مدوناته الورقية إلى نصوص رقمية، مدعمة بالتواريخ والتفاصيل، ليختار لعمله عنوان "ولكن شيبتني الوقائع"، مستلهمًا البيت الشعري: "ومَا شَابَ رَأْسِي مِنْ سِنِينَ تَتَابَعَتْ ... عَلَيَّ، وَلَكِنْ شَيَّبَتْنِي الْوَقَائِعُ"

ويؤكد أن الكتابة تمنحه منفذًا لتفريغ ما يعتمل في صدره، رغم أنها تُعيده في الوقت ذاته إلى ذكرياته مع زوجته وابنتيه، وتفاصيل حياته الدافئة قبل الحرب بكل ما تحمله من شوارد الألم والحنين.

لم يكونوا أرقامًا

يرفض أبو العيش اختزال حكايته في حدود كونه ناجيًا من مجزرة عائلية؛ فهو يرى نفسه واحدًا من آلاف الفلسطينيين الذين كُسرت قلوبهم بفقد الأحبة، ويسعى من خلال قلمه إلى منح الشهداء أسماءً وحكايات حية، بعيدًا عن تجريدهم في أرقام صماء.

ويستجلب معنى قاسيًا لما آلت إليه الحياة بعد هذا الفقد، موضحًا أن من رحلوا ربما نجوا من كوابيس الجوع والدمار والإذلال، بينما يتجرع الباقون مرارة الموت مراراً بعدهم.

وبالنسبة إليه، تتعدى الكتابة مجرد توثيق حدث، لتصبح مسؤولية أخلاقية تجاه من قضوا وتجاه الأجيال القادمة؛ إذ يطمح لنقل قصصهم إلى العالم، وتوثيق فصول الحرب والمجازر، وإفساح المجال لمن لا صوت لهم عبر الصحافة والمنصات الإعلامية والمحافل الدولية.

وينهي حديثه بالإشارة إلى أن من لم يعش تجربة غزة قد لا يدرك عمق مأساتها، لكن بوسعه الاستماع لشهادات أهلها ونقلها؛ ولهذا السبب يواصل التدوين، حريصًا على إنقاذ الذاكرة مما يحاول القصف محوه، ولمنع سقوط الإنسانية في فخ الأرقام، مؤكدًا أن خلف كل اسم حكاية، ووراء كل شهيد حياة كاملة جديرة بأن تُحكى.