حتى دونالد ترامب يبدو مدركاً أن العلاقة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي أصبحت عبئاً سياسياً، وقد لا تعود إلى ما كانت عليه.
وعشية انتخابات التجديد النصفي، التي انتهت برفض قاطع لنهجه السياسي، بدا أن ترامب أدرك أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أصبحت عبئاً سياسياً، بحسب ما أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية.
وقد قوبل اقتراح طرحه ترامب في اللحظة الأخيرة، صباح يوم الانتخابات، بخفض المساعدات العسكرية لإسرائيل في نهاية العام، قائلاً إن «إسرائيل لا تحتاج إليها»، بإدانة واسعة. ووصف المدافعون عن القضية الفلسطينية الاقتراح بأنه «يائس»، فيما اعتبره مؤيدون لإسرائيل «غير جاد».
ولم يبدّل اقتراح ترامب استبدال ما يقارب أربعة مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية بمبيعات للأسلحة الواقع كثيراً، إذ سيستمر التمويل، وإن كان تتبعه سيصبح أكثر صعوبة. لكنه مثّل اعترافاً واضحاً من الرئيس بتراجع الدعم لإسرائيل على خلفية الحرب الأخيرة على غزة، التي أودت بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني، ووُصفت على نطاق واسع بأنها إبادة جماعية، وأعادت تشكيل السياسة الأمريكية بطرق لم تكن متصوّرة قبل ثلاث سنوات.
وبحلول يناير/كانون الثاني، سيضم مجلس النواب الأمريكي طبيبة عسكرية شاركت في مهمة طبية بغزة، ومحامية فصلتها شركتها بسبب منشور مدونة انتقدت فيه الحرب الإسرائيلية، ومشرعاً يهودياً احتجزته القوات الإسرائيلية مؤخراً أثناء مساعدته الفلسطينيين في قطف الزيتون بالضفة الغربية المحتلة، ومنظماً مجتمعياً شارك في مخيم طلابي مؤيد للفلسطينيين، وحقق إحدى أبرز المفاجآت في الانتخابات التمهيدية تحت شعار «الأطفال لا القنابل».
وفاز مرشحون مؤيدون للفلسطينيين، بينهم أمريكيون من أصل فلسطيني، في انتخابات لمناصب مختلفة. وفي ميشيغان، أصبح عبد السيد أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، بعد حملة أنفقت فيها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» أكثر من 40 مليون دولار لمحاولة هزيمته، وشهدت لحظات حاسمة مثيرة وخطاباً معادياً للإسلام وتعصباً بمستويات غير مسبوقة.
انتهاء الإجماع الحزبي بشأن تل أبيب
قالت بيث ميلر، المديرة السياسية لمنظمة «الصوت اليهودي من أجل السلام»: «انتهى الإجماع الحزبي القديم بشأن (إسرائيل)».
وأضافت أن الكونغرس المقبل، في غياب هذا الإجماع، قد يدفع بإجراءات تشمل حظر الأسلحة عن (إسرائيل) وفرض عقوبات على المستوطنين والمسؤولين المتورطين في العنف، مع احتفاظ ترامب بحق النقض لمنعها.
وشكّل التصويت أيضاً رفضاً للحرب التي شنّها ترامب على إيران، وهو ما وصفه جيه دي فانس يوم الأربعاء بأنه «واضح للجميع تقريباً». ونادراً ما تحدد قضايا السياسة الخارجية نتائج الانتخابات الأمريكية، إلا عندما تؤثر مباشرة في حياة الأمريكيين داخل البلاد.
وقال يوسف مناير، رئيس برنامج فلسطين/إسرائيل في المركز العربي بواشنطن العاصمة: «كان الأمريكيون يتذكرون إخفاقات الحرب الإيرانية مع كل زيارة لمحطة الوقود ومتجر البقالة. (إسرائيل) جزء محوري من تلك القصة».
تفوق مرشحون مؤيدون للفلسطينيين
فاز مرشحون مؤيدون للفلسطينيين بوضوح، في أنحاء البلاد وعلى مستويات انتخابية مختلفة، على مرشحين مؤيدين لإسرائيل، رغم إنفاق منظمات مثل «أيباك» عشرات الملايين من الدولارات في محاولة فاشلة لوقف تراجع شعبية إسرائيل بين الناخبين الأمريكيين.
وفي الشهر الماضي، أقرت «أيباك» بأن دعمها العلني كان يضر بالمرشحين المؤيدين لإسرائيل أكثر مما ينفعهم، وأعلنت أنها ستتوقف عن تقديم التأييدات والمساهمات المباشرة. ويمثل ذلك اعترافاً لافتاً، وإن كان محدود التأثير عملياً.
كما شكّلت انتصارات السيد ومرشحين آخرين، سعى اليمين إلى تصويرهم معادين للسامية بسبب دعمهم للفلسطينيين، رفضاً كبيراً للرواية التي روجت لها الأصوات المؤيدة لإسرائيل وإدارة ترامب بلا هوادة خلال السنوات الثلاث الماضية، ومفادها أن انتقاد إسرائيل هو، بحكم الأمر الواقع، معاداة للسامية.
وقال السيد، الذي واصل التعبير بوضوح عن دعمه للفلسطينيين رغم الضغوط الشديدة، في خطاب قبوله: «يحاولون وصفك بالكراهية إذا كنت تؤمن بأن للأطفال الفلسطينيين الحق في أن ينشأوا في أرض أجدادهم من دون أن يُقتلوا بأموال دافعي الضرائب. إذا كنت تؤمن بالمساواة في الحقوق والسلام والكرامة وتقرير المصير، فهذا ليس كراهية، بل هو حب».
وفي ميشيغان، فاز السيد بأغلبية أصوات الناخبين اليهود، وفقاً لاستطلاعات الناخبين بعد الإدلاء بأصواتهم. ورغم التحذيرات من أن اليهود سيغادرون الحزب الديمقراطي بأعداد كبيرة بسبب تحول مواقفه من (إسرائيل)، قالت منظمة «جيه ستريت» إن استطلاعاتها أظهرت أن 72% من اليهود صوّتوا للديمقراطيين يوم الثلاثاء، مع ارتفاع حصة الجمهوريين من أصوات اليهود مقارنة بعام 2024.
ولا يعني ذلك أن الحزب الديمقراطي موحد بشأن دولة الاحتلال وفلسطين أو معارض للحروب الخارجية.
وقالت لارا فريدمان، رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط، إن الحزب «استبعد أو همّش على مدى عقود كل من تمتد قيمه التقدمية لتشمل دعم فلسطين». وأضافت: «تضافرت جهود الناخبين الأمريكيين والمنظمين ومجموعة من المرشحين الموهوبين للغاية، وتمكنوا من كسر هذا الحاجز».
وقال مات دوس، نائب الرئيس التنفيذي لمركز السياسة الدولية والمساعد السابق للسياسة الخارجية للسيناتور بيرني ساندرز، إن على الديمقراطيين اغتنام الفرصة ليصبحوا الحزب المعارض للحرب.
وأضاف: «ترشح ترامب وفاز عام 2024 بوصفه مرشحاً مناهضاً للحرب، لأن الديمقراطيين، للأسف، تركوا له هذا المسار مفتوحاً على مصراعيه. والسؤال هو: هل سيفهم الديمقراطيون الأمر أخيراً؟ هل سيدركون أن الأمريكيين سئموا الحرب ويريدون سياسة خارجية جديدة؟»
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
