الساعة 00:00 م
الأحد 08 نوفمبر 2026
17° القدس
14° رام الله
14° الخليل
22° غزة
4.26 جنيه إسترليني
4.49 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.55 يورو
3.19 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

عجيسة: الإبادة بغزة تتخذ أدوات جديدة.. والبرد والأمراض وغرق الخيام يتهدد مئات الآلاف

عصام يوسف: غزة الأكثر نكبة عالميًا وإعلانها منطقة منكوبة ضرورة عاجلة

باحثو غزة في مواجهة العزلة المعرفية.. مراجع مفقودة وأبحاث مؤجلة

حجم الخط
باحثو غزة في مواجهة العزلة المعرفية.. مراجع مفقودة وأبحاث مؤجلة
غزة – فاتن الحميدي – وكالة سند للأنباء

لم تعد رحلة البحث العلمي في قطاع غزة تبدأ من المكتبة أو رفوف الكتب، بل من محاولة العثور على مرجع لم تطله نيران الحرب، أو ملف إلكتروني يمكن فتحه قبل انقطاع الكهرباء ونفاد شحن الهاتف.

فبين مكتبات مدمرة، وأرشيفات مفقودة، وجامعات تحولت أجزاء واسعة منها إلى ركام، يواجه طلبة الدراسات العليا والباحثون معركة إضافية لاستكمال أبحاثهم، عنوانها البحث عن المعرفة في ظل غياب مصادرها.

ولم يقتصر أثر استهداف المؤسسات التعليمية والثقافية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، على تدمير المباني والقاعات الدراسية، بل امتد إلى البنية المعرفية التي تشكل أساس العملية البحثية، بما فيها المكتبات الجامعية، ومراكز الأبحاث، والمختبرات، والأرشيفات التاريخية، وما تحتويه من كتب ووثائق ورسائل جامعية وبيانات ومصادر أولية يصعب استعادة كثير منها.

وفي ظل تعذر الوصول إلى المراجع الورقية، وعدم استقرار الإنترنت والكهرباء، وضعف الإمكانات التقنية، يجد الباحثون أنفسهم أمام خيارات شاقة؛ فإما تأجيل أبحاثهم، أو تغيير موضوعاتها بما يتناسب مع المصادر المتاحة، أو خوض محاولات طويلة للوصول إلى مرجعيات رقمية ومقابلات علمية من خارج القطاع، في مسار يستنزف الوقت والجهد ويهدد استمرارية التراكم البحثي.

الجامعة الإسلامية.jpg
 

تغيير مسارات البحث تحت وطأة الفقد

تجسد تجربة الباحثة في مرحلة الماجستير، آية حسن نجم، جانبًا من هذه المعاناة؛ إذ تؤكد أن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب انعكست بصورة مباشرة على مسيرتها الأكاديمية، وأحدثت فجوة معرفية وهيكلية نتيجة تدمير الجامعات والمكتبات والمراكز البحثية والأرشيفات، ما حرمها من الوصول المباشر إلى المراجع الورقية والمصادر الأولية.

وتوضح "نجم"، التي تدرس تخصص الدراسات التاريخية المعاصرة لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الأزمة لم تتوقف عند فقدان المصادر، بل امتدت إلى صعوبة الوصول إلى البدائل الرقمية، بفعل ضعف شبكات الاتصال والانقطاعات المتكررة للإنترنت، إلى جانب أزمة الكهرباء ومحدودية ساعات تشغيل الأجهزة.

وتشير إلى أن اعتمادها على الهاتف المحمول أصبح ضرورة لتوفير الطاقة، فيما يقتصر استخدام الحاسوب المحمول على صياغة الأبحاث وتنسيقها، بسبب عدم قدرة منظومة الطاقة المتاحة على تشغيله لفترات طويلة، فضلاً عن الأعطال الفنية المتكررة للأجهزة وقلة البدائل.

وتراجع ساعات الإضاءة والشحن -لا سيما مع حلول التوقيت الشتوي وانخفاض شدة أشعة الشمس المغذية للخلايا الشمسية- يفرض عليها حصر معظم ساعات الدراسة والمطالعة في النهار، في ظل تعذر مواصلة العمل ليلاً.

أما الحصول على المراجع من خارج القطاع، فتصفه بالعملية الشاقة التي قد تستغرق عدة أشهر من المحاولات والانتظار، في وقت جعلت فيه قيود الحركة وتدمير الأرشيفات الوصول إلى المعلومات وإجراء المقابلات الميدانية أمراً بالغ الصعوبة.

وتلفت "نجم" إلى أن هذه الظروف دفعتها إلى تعديل خطتها البحثية الأولى، وإعادة توجيه مسار دراستها نحو موضوعات تتوافر لها مادة علمية يمكن الوصول إليها، معتمدة على البدائل الرقمية، ومن بينها منصات الأرشفة الإلكترونية، و"Google Scholar"، و"Internet Archive"، إلى جانب الاستعانة باحثين خارج غزة لتوفير بعض الملفات والمراجع.

لكن هذه الحلول لم تكن كافية لتعويض الفقد الكامل للأرشيفات والمصادر الورقية، خصوصًا أن بعض الموضوعات التاريخية تتطلب العودة إلى وثائق أصلية وشهادات ومصادر أولية لا تتوافر بالضرورة على الإنترنت.

مكتبة.jpg
 

وتستحضر تجربتها حين اضطرت لبذل جهود مضنية للوصول إلى مقابلات شفوية مع سيدات عاصرن المرحلة التاريخية لدراستها، مبينة أن وفاة معظم الشاهدات شكّلت عائقًا إضافيًا، إلى جانب صعوبة التواصل مع شخصيات وزملاء في لبنان.

وتقول إنها أمضت ثلاثة أشهر متواصلة في محاولة الوصول إلى مصادر بشرية ومقابلات، وسط تأخر الردود وتعذر التواصل، قبل أن تتمكن -بمساعدة صحفي مقيم في لبنان- من الوصول إلى مقابلات شفوية وكتيبات محدودة غير منشورة على الإنترنت.

ونبهت إلى أن هذه التجربة مثلت تحديًا منهجيًا فرض عليها مضاعفة الجهد للحفاظ على دقة المعلومات والصرامة العلمية.

غياب المصادر الإلكترونية وبدائلها المتعثرة

ولا تقتصر معاناة الباحثين في غزة على فقدان المراجع الورقية، بل تمتد إلى صعوبة الوصول إلى المصادر الإلكترونية التي يفترض أن تشكل بديلاً عن المكتبات والأرشيفات المدمرة، لكنها تظل في كثير من الأحيان متاحة بصورة جزئية، دون إمكانية الاطلاع على النصوص الكاملة للأبحاث والرسائل العلمية.

وتقول طالبة ماجستير الصحافة، ضحى السرساوي، إن الوصول إلى المراجع الإلكترونية لا يزال يمثل تحديًا مستمرًا رغم اعتمادها على البحث الرقمي.

وتشير لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن "كفايرًا" من المواقع الأكاديمية تتيح الاطلاع على ملخصات الدراسات والرسائل دون توفير النصوص الكاملة، الأمر الذي يحرم الباحثين من التفاصيل المنهجية والنتائج الضرورية لبناء دراساتهم.

وتؤكد أن الحل يكمن في توفير اشتراكات جامعية رسمية في قواعد البيانات والمواقع المتخصصة، بما يتيح للطلبة الوصول إلى المحتوى الكامل للمصادر مستشهدة بتجربتها مع بعض المواقع التي لا توفر سوى ملخصات، في حين تحتاج للاطلاع على الدراسة كاملة، كما هو الحال في منشورات مجلة الجامعة الإسلامية.

وتشير إلى أنها كانت تعتزم التواصل مع أحد الأكاديميين لطلب اشتراك يتيح لها الوصول إلى مواقع الرسائل، في ظل صعوبة تحمل تكاليف الاشتراكات الفردية.

فتيات يدرسن.jpg
 

خسارة تتجاوز المباني

من جهته، يرى النائب الأكاديمي في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، خضر الجمالي، أن قطاع غزة يواجه تدميرًا واسعًا لمقومات الحياة الأكاديمية، مؤكدًا أن خسائر الجامعات لا يمكن اختزالها في الأضرار المادية التي لحقت بمبانيها ومرافقها.

ويقول "الجمالي" لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الجامعة ليست قاعات دراسية ومبانٍ فحسب، بل منظومة متكاملة تضم الأساتذة والباحثين والمختبرات والمكتبات وشبكات التعاون والتراكم العلمي الذي تشكل على مدار عقود.

وأوضح أن الحرب طالت هذه المكونات كافة، مع فقدان كفاءات ونخب أكاديمية، وتدمير مرافق وتجهيزات، وتشتت آلاف الطلبة، محدثة خسارة تتجاوز كلفة إعادة البناء لتشمل الخبرات والفرص البحثية.

ويضيف أن المكتبات والأرشيفات العلمية لا تقتصر أهميتها على توفير المراجع، بل تمثل مستودعًا أساسيًا للذاكرة الوطنية والمجتمعية الفلسطينية.

يشير إلى أن فقدان المواد الأصلية التي لا تتوافر لها نسخ احتياطية يعني خسارة شواهد ومعارف يتعذر استعادتها، بما يهدد استمرارية التراكم العلمي وقدرة الباحثين على دراسة تاريخ المجتمع وتحولاته.

تدمير الجامعة الإسلامية.jpg
 

بين غياب المصدر وتعذر الوصول إليه

ويشير "الجمالي" إلى ضرورة التمييز بين فقدان المحتوى المعرفي نفسه وتعذر الوصول إليه؛ إذ قد تظل بعض قواعد البيانات محفوظة خارج القطاع، لكن انقطاع الإنترنت أو فقدان الأجهزة والاشتراكات يحرم الباحثين من الاستفادة منها عملياً، لافتًا أن الحالتين تلحقان ضررًا مباشرًا بالصلة بين الباحث ومصادر المعرفة.

ويضع هذا الحرمان الباحث أمام خيارات قاسية تشمل التأجيل، أو تغيير الموضوع، أو تضييق النطاق وفقًا للمراجع المتاحة، وهو ما ينعكس على إنجاز الرسائل ومواكبة التطورات العلمية.

ويحذر من تضاعف خطورة الأزمة في التخصصات التي تحتاج إلى مختبرات وبيانات ميدانية ومصادر تاريخية مباشرة، حيث يتزامن فقدان المراجع مع تدمير أدوات إنتاج المعرفة.

ولا تتوقف تداعيات غياب المصادر عند تأخير إنجاز الرسائل، بل تمتد إلى جودة الإنتاج العلمي وموثوقيته؛ إذ تتطلب المنهجية السليمة الاطلاع على الأدبيات ذات الصلة، ومقارنة النتائج، والتحقق من المعلومات بالعودة إلى مصادرها الأصلية.

دراسة.jpg

أبحاث.jpg
 

ووفق "الجمالي"، فإن تضييق دائرة المراجع يرفع احتمالات إغفال دراسات مهمة، أو الاعتماد على معلومات قديمة ومصادر ثانوية، أو بناء استنتاجات على صورة معرفية غير مكتملة.

ورغم أن شح المراجع لا يعني بالضرورة افتقار الأبحاث للموثوقية إذ يرتبط الحكم بسلامة المنهج والشفافية، إلا أن الحفاظ على المعايير الأكاديمية يتطلب توفر الظروف الداعمة.

ويرى أن المجتمع الفلسطيني يحتاج في هذه المرحلة إلى بحوث علمية رصينة تساعد على فهم آثار الحرب وتحليل التحولات الاجتماعية والاقتصادية، لتقديم معرفة يُستند إليها في جهود التعافي.

أرقام تكشف حجم الخسارة الأكاديمية

وتعكس البيانات الدولية حجم الدمار الذي طال المؤسسات الأكاديمية؛ إذ أظهر تقييم ميداني شامل أعلنته منظمة "اليونسكو" ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وشمل 21 مؤسسة للتعليم العالي تضم 38 حرمًا جامعيًا، أن 95% من هذه الأحرام تعرضت للأضرار، بينها 22 حرمًا دُمّرت بالكامل، فيما لحقت أضرار متفاوتة بـ 14 حرمًا آخر.

وفقاً للتقييم، فإن 195 مبنى من أصل 206 مبانٍ جرى تقييمها دُمّرت أو تعرضت لأضرار جسيمة غير صالحة للعمل، كما تضرر أو دُمّر نحو 120 ألف جهاز حاسوب محمول ومكتبي، و105 خوادم إلكترونية، إضافة إلى 620 مختبرًا ومرفقًا متخصصًا.

 وأشار التقييم إلى استشهاد أو اعتقال أو إصابة 1112 موظفًا من العاملين في التعليم العالي من أصل 5102 موظف (ما يعادل 22% من القوى العاملة).

ولا تقتصر الخسائر على الجامعات؛ فقد طالت المكتبات العامة والمراكز الثقافية والأرشيفات التاريخية، إذ جرى تدمير وتضرر ونهب عدد من المؤسسات والمجموعات المعرفية، كما أظهر تقييم لـ "يونسكو" نُشر في مارس/آذار 2026 تضرر 164 موقعًا ثقافيًا منذ السابع من أكتوبر 2023، بينها مبانٍ تاريخية ومتاحف ومواقع أثرية.

وأمام هذه الخسائر، تبرز الحاجة إلى تدخل أكاديمي ومؤسساتي عاجل لإنقاذ ما تبقى من الأصول المعرفية الفلسطينية، وضمان عدم تحول تدمير البنية التعليمية إلى انقطاع طويل الأمد في إنتاج المعرفة.

وتتمثل أبرز الاحتياجات في:

  •  توفير وصول رسمي ومجاني للباحثين والطلبة إلى قواعد البيانات والمكتبات الرقمية العالمية.
     
  •  دعم استقرار خدمات الإنترنت والاتصالات.
     
  •  توفير أجهزة حاسوب وهواتف ومعدات تشغيل تتناسب مع ظروف الطاقة المحدودة.
     
  •  إنشاء مبادرات أكاديمية دولية لتوفير الكتب والأبحاث والمراجع بناءً على طلب الباحثين.
     
  •  إنشاء أرشيفات رقمية احتياطية للرسائل الجامعية والوثائق والمخطوطات والمجموعات البحثية الفلسطينية، والعمل على استعادة المواد المفقودة وتطوير التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث محليًا ودوليًا.