الساعة 00:00 م
الأربعاء 30 نوفمبر 2022
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.11 جنيه إسترليني
4.85 دينار أردني
0.14 جنيه مصري
3.55 يورو
3.44 دولار أمريكي

 صيادو غزة .. ليست كل الأنواع للأكل !

حجم الخط
السمك في غزة
غزة– سند

في رحلة رزقٍ مجهولة النتائج، يُبحر الصياد الفلسطيني مساء كل يوم، بقاربه في عَرض البحر، ينتظر ساعات الليل الطويلة، ليرسو في الصباح على بَر الشاطئ، حاملًا في شِباكه رزق من فم الموت.

رزق قد لا يسّد الحاجة، وربما فوز بنوعٍ فاخر من السمك يُدر ربحًا وفيرًا، أو نجاة من موتٍ قريب، أو مطاردة واعتقال، ففي هذه البقعة المائية كل الخيارات متاحة.

لكنّ عندما يحمل شِباك الصيد لصاحبه نوع فاخر من السمك، كفّة أي الخيارين ترجح، بيعها، أم أكلها؟

تساؤل طرق معنا أبواب غرف الصيفح المهترئة، التي تحتضن معدات الصيادين من مراكب، وغزل، ومحركات، في ميناء غزة البحري.

ليس للأكل
عبد السلام الهسي(68 عامًا) واحد من الذين عاشوا حياتهم في البحر منذ 1967م، يعرف أسراره، وخباياه، فمنذ كان شابًا التحق بمهنة أبيه وأعمامه، ليُورثها هو الآخر لأبنائه الأربعة.

بدأ حديثه لـ "سند" مستذكرًا أيام العز: " حقيقة لا يوجد وجه مقارنة بين مهنة الصيد قديمًا، والأن، فقديمًا الصياد كان يتمتع بخيرٍ ورزق وفير الحمدلله، وكنّا نأكل من شتي أنواع السمك، ونوّزع على الأسواق المحلية، والفائض يتم تصديره".
أما في الأيام الحالية، وفي ظل الظروف التي أجبرت الصياد الفلسطيني ليكون ضمن الفئات المهمشة والأكثر فقرًا في المجتمع، بالكاد يستطيع سدّ احتياجات بيته.

وفي سؤالنا أيهما يفضل بيع السمك باهظ الثمن، أم أكله؟ أجاب: "في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، وعندما يكون سعر كيلو السمك 70 لـ 100 شيكل، فسأختار بيعه، لأوفر الحاجات الأساسية لأهل بيتي".

واستطرد ضاحكًا "هذه الأنواع بنقدرش عليها، فثمنها الباهظ يُجبرنا ليس لبيعها في السواق المحلي فحسب، بل وتصديرها إلى إسرائيل".

ومع ذلك لم يشعر الهسي، يومًا بالملل من مهنته، يبتسم مواصلًا الحديث:" أنا كل يوم أنتظر عودة أولادي من البحر، لا أستطيع مفارقة هذا الأزرق الساحر، روحي فيه، رغم كل التعب والمخاطر التي تتعرض لها في حياتي بسببه".

زمن أول حوّل
ليس بعيدًا عن غرفة الصياد الهسي، كان الصياد أبو شادي رجب(73عامًا) يُرمم شِباكه ويتبادل أطراف الحديث مع عددٍ من الصيادين عن أوضاع الصيد في الأيام الأخيرة.

أجاب عن سؤالنا بالقول: "لو بدك تسألوا الصيادين عني، سيقولون لك أن أحسن سمك، أصطاده، كنت أعود به لأهل بيتي، أما الآن تصطاد وتنظر على أنواع السمك بحسرة، ثم مرغمًا تعرضها للبيع والتصدير".

ويستذكر مع الجالسين أيام السمر قائًلا بعد تنهيدة: " كنّا كثيرًا ما نخرج في رحلات شواء، دون الاكتراث إذا ما كان السمك غالي أو زهيد الثمن، فالزرق كان كثيرًا، أما الأن حتى السردين (أرخص الأنواع) نُفضّل بيعه".

وبنبرة المعلّم استعرض لنا أنواع السمك باهظة الثمن، منها "سلطان برهيم، واللوكس، والدنيس، البوري، والغزال الأبيض، جمبري، والجرع، والفردي الأحمر".

وأشار أبو شادي إلى أن سعر الكيلو يترواح بين 70 لـ 110 شيكل.

وبفلسفة الإنسان البسيط أجاب أحد الصيادين الذين كانوا برفقة رجب على سؤالنا: "أغلب الصيادين وأنا منهم أفُضل بيع السمك والعودة لأبنائي بالمال بدلاً من كيلو أو أكثر بقليل من السمك الغالي".

عللّ ذلك: "المال سيُطعمهم، ويكسيهم، ويسدّ جزءًا من الديون، أما كيلو السمك فلن يكفهم لوجبة واحدة".

وختم حديثه معنا : " الصياد في الوقت الحالي، ماله لا يكفي لتشغيل مركبته، فكيف سيأكل السمك باهظ الثمن؟"

توازن
أما الصياد الشاب ابراهيم القوقا (34 عامًا)، فرغم شحّ الرزق والمخاطر التي يتعرض لها أثناء عمله، يحاول إيجاد توازن في بين تناول الأسماك، وبيعها.

سألناه كيف؟ فأجابنا: " بناءً على الحالة الإقتصادية، فإذا كانت الأمور ميسرة، والرزق لا بأس به، حينها جزء من السمك أعود به لأهل بيتي، وجزء للبيع، لكن إذا كان الوضع صعب، فلابد من بيعه حتى لو اشتهيناه، لتغطية مصاريف البيت".

في رحلة مُبشّرة، هكذا وصفها وهو يستذكر معنا: " كنت مُبحر بغزل الكلماري، واصطدت جمبري، ودنيس، كان الوضع ميسورًا حينها، على الفور، نظمت لأهل بيتي رحلة شواء لذيذة، لكنها فرصة لا تتكرر دائمًا، فظروفنا هي من تحكمنا".