في فلسطين .. أفراح دُفنت في المهد

حجم الخط
القدس - وكالة سند للأنباء

ضجيج الفرح كان يطرب القلوب قبل أن يطرب آذانهم، كطيرٍ للتو أطلق سراحه، هكذا الفلسطيني يتشبثُ بكل فسحةٍ من الفرح، يعض عليها بالنواجذ، يريد أن يعيش لحظاته حتى آخر لحظة قدر الإمكان، لأنه يعلم يقيناً أن الأفراح في فلسطين دائماً منقوصة.

في أرضٍ يُقاسمك فيها احتلال إسرائيلي قذر كل شيء، لن يروق له أن يرى ابتسامتك تعبر شفاهك، سيفكر حينها ألف مرة، بطريقة لبترها ودفنها في المهد.

في إحدى البيوت ببلدة أبو ديس شرق مدينة القدس، وفي بيت عائلة "عريقات" بالتحديد، تعلو الزغاريد والأهازيج الشعبية، وتتزين النساء، ويتقاسم الرجال أجواء الفرح، الصغار يركضون، والزينة تملأ أرجاء البيت.

حلم لم يكتمل

ذهبت نساء البيت باكراً لتجهيز أنفسهن في صالونات التجميل، بمدينة بيت لحم، كي لا يتأخرن على فرح ابنتهم "إيمان"، بعد أن قضين وقتهن هناك، هاتفهن شقيقهن "أحمد" يبتغي اصطحابهن بعد قليل.

أحمد (27 عاماً) شابٌ يملأ الحب قلبه، وحب الحياة تبدو على محياه، يعمل في مجال الدعاية والإعلان، وكان من المقرر أن يقيم حفل زفافه في شهر أيار الماضي، إلا أن جائحة كورونا اضطرته لتأجيله حتى تموز المقبل.

أتم أحمد استعداداته اللازمة من أجل فرحه، والسعادة كانت تغمر قلبه أضعافاً فرحةً وبهجةً بشقيقته التي تزف لزوجها، يمازحها ويحتفي بها حباً وجمالاً ودلالاً، أحبته كثيراً، ولطالما شعرت فيه السند الذي تميل إليه، ورفيقها في كل الدروب، استندا إلى جانب بعضهما البعض والتقطا صورة تذكارية جميلة.

الصورة الأخيرة

لم يكن يدرك أحمد أن تلك الصورة هي الأخيرة التي تجمعه مع شقيقته، وأنه اللقاء الأخير الذي يبتسمان فيه معاً، لقد أنسته سعادته بشقيقته أنّ على الجانب الأخير محتل، يرقب كُل لحظة فرحٍ ليحيلها إلى حزن.

"أمي، تجهزي أنت وأختي، بعد لحظاتٍ سأصل إليكم"، أخبر أمه وكذلك خطيبته، ليجمعهما معاً ويذهبا إلى اليوم المشهود، لكنّ، لم يحدث أيٍ مما سبق.

جندي مدجج بالسلاح، أوقف أحمد على حاجز "الكونتير" شمال بيت لحم، وبدون تردد أطلق عليه وابلاً من الرصاص، سقط أحمد على الأرض غارقاً في دمائه، يُبصر جسده المخترق وينتظر أحداً لإسعافه.

الجميع يقف على مقربه منه، يحاول إسعافه، لكن جنود الاحتلال يقفون متسمرين، يمنعون أي أحد من الاقتراب منه، ينظرون إليه وهو ينزف دماءه لأكثر من ساعة كاملة، حتى لفظَ أنفاسه الأخيرة، وهو ممدٌ على الأرض دون نصير.

في هذه اللحظة تماماً، تحولت الحياة إلى كابوس يخيم على العائلة، تلك التي لم تصدق آذانها الخبر، علّ أملاً يحمله لأمه وهو حيّ يبتسم، ليخبرها أنها ستفرح فيه عما قريب، لكن دون جدوى، مضت الساعات، وأحمد لم يعد؟!

تبدلّ الحال

هدأت الطبول، وغادرت أصوات الفرحة، كُل شيء في لحظة قد تحول للون الأسود، تلك الكراسي المصطفة للمهنأين في الزفاف، امتلأت حزناً وتعزية لعائلته، تبدل حال العائلة وفُتح بيتٌ للعزاء بدلاً من بيتٍ للفرح.

عجّت مواقع وسائل التواصل الاجتماعي بالكثير من الصور والرثاء لأحمد، الذين استدلوا فيه بالظلم الواقع على الفلسطيني، المقدر عليه أن يبقى حبيس الفجأة والتغيرات في آخر لحظة، لأن جندي متأهب دائماً لأن يسرق كل لحظة سعادة منهم.

ويقول عماد عريقات، ابن عم الشهيد، لـ"وكالة سند للأنباء" اعتدنا على الاحتلال تزييف الحقائق، وهو جيش جبان جداً، فقد قتلوا أحمد دون أن يرتكب أي خطأ، يوردون حجج واهية، لا يصدقها أي عاقل، من أجل تبرير قتله.

ويبين أن خبر استشهاد أحمد أكبر صدمة تلقيتها العائلة، فهو شاب مهذب جداً، يحبه الجميع، خدوم جداً، يفرح بكل طاقته، وقد استأجر سيارة من أجل أن يزينها لزفاف أخته، وذهب وهو مليء بالحياة، ليسرقه الاحتلال منا ويسرق حلمه معه.

ويضيف وصوته تختنق العبرات: " لقد قتل ظلماً على يد دولة ساقطة أخلاقية، لكننا لا نستكين، سنتجه للقضاء".

ويلفت إلى أن الاحتلال يمعن في ظلمه ويحتجز في جثمانه، ونيران الحسرة والفراق تكوي الصدور، وأن العائلة لن تهدأ حتى تستلم جثمانه ليدفن بقربهم، ليحتضنوه، ليودعوه، ليروا أحمد حتى لو للمرة الأخيرة.