بعد ربع قرن بالأسر .. "الغرابلي" شهيد مع حرية أبدية

حجم الخط
غزة - وكالة سند للأنباء

في زاوية صغيرة، بزنزانة لا تتجاوز الأمتار، لا أنيسَ تميل إليه بحديثك فتنقضي الساعات، ولا رفيقَ يُخفف وطأة الشوق وفصول الحنين التي تختلج الروح والفؤاد، وتحيله إلى جمرة مشتعلة، ترقبُ لحظة يُسكب عليها برد اللقاء، فتنجلي كل تلك العتمة.

فقط ذاك الصوت الذي يخرج من فيه سعدي، يعود إليه حاملاً معه الصدى، فيُبقيه عالقاً بين الأيام دون جواب.

في عام 1994 اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الأسير سعدي الغرابلي (74 عاماً)، حكمت عليه بالأسر مدى الحياة، وزجته في زنازين القهر، ليقضي فيها ربع قرن، منها 12 عاماً وحيداً في زنزانة العزل الانفرادي.

حكمُ جاء بتهمة قتله ضابطاً إسرائيلياً في مدينة تل أبيب، لكن ذلك لم يكن يفت من عضد الغرابلي في كبح جماح أمله في تنسم الحرية من جديد.

لم يرق صمود الغرابلي لإدارة السجون الإسرائيلية، فعزلته منذ عام 1994 حتى 2006، خلالها نهش المرض من جسد الغرابلي، فأصيب بمرض الضغط وعدم انتظام السكر، وكذلك كسرُ في حوضه لم يعالجه الاحتلال منه، عدا عن ظهور مشاكل في البصر لديه، لكنه حرم من امتلاك نظّارة طبيّة.

صباح أمس الأربعاء خيم الحزن على عائلة الغرابلي في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حين تلقتْ اتصالاً حمل معه خبراً ينُهي كل سنوات صبرهم الطويلة وانتظارهم في أن يجمع الله شمل المحبين من بعد سنين طوال من الغياب.

خبرٌ حل ثقيلاً على قلب تسعة من الأبناء وزوجة كانت تحلم كل يوم أن يجمع الله شتاتها وأبناءها مع حبيبها وسندها، ليرحل سعدي تاركاً إياها دون لحظةٍ تخفف وجع كل تلك السنين العجاف.

مرة أخيرة

يقول عصام نجل الشهيد سعدي الغرابلي لـ "وكالة سند للأنباء"، حرمنا جميعاً من زيارة والدي، وبعد 7 سنواتٍ من أسره، من الله عليّ بلقاءٍ يجمعنا بوالدي خلف الأسلاك الشائكة، كان سريعاً جداً ولم يكن مباشراً.

ويوضح أن السعادة غمرت والده حين رأى نجله الذي تخرج من كلية الطب لأول مرة منذ سنوات، وأنه أخيراً اكتحلت عيناه برؤية أحد من أنُساء القلب.

ويضيف عصام: "بعد تلك الزيارة لم يلتق والدي بأي أحدٍ منا، بقينا فقط نطمأن عليه عبر فتاتٍ من الاتصالات كل فترة طويلة، نستمع إلى صوته دون أن نراه، كبرنا وتزوجنا وأنجبنا ووالدي لا يعرف بعضنا ولا أبناءنا".

أم سهيل زوجة الأسير سعدي والتي جاوزت 64 عاماً، لم تقابل عيناها عيني حبيبها ولم تلمس يداها يداه، منذ اعتقاله عام 1994م، بعد أن حرمها الاحتلال الإسرائيلي من زيارته دون أسباب.

سخرت أم سهيل نفسها ووقتها وحياتها من أجل تربية أبنائها الذين هم أمانة زوجها، غرست فيهم حب المقاومة والفخر بشكل دائم بما فعله والدهم المناضل.

إهمال متعمد

رغم ما عانه الأسير الشهيد سعدي الغرابلي من أمراض داخل السجون، إلا أنه أصيب مؤخراً بسرطان البروستاتا، وأجرى له الاحتلال عملية قسطرة ثم أعاده إلى السجون في إهمال طبي متعمد.

ويشير عصام إلى أن والده تعرض مؤخراً لكسر في الحوض، تلاها تدهور حاد في صحته، إلا أن طبيب السجن لم يكن يداويه إلا بالمسكن فقط "أكامول".

ظل الشهيد الغرابلي شامخاً رغم كل ما واجهه من تعذيب وترهيب وإهمال متعمد ومعاناة داخل السجون.

يروى الغرابلي لأبنائه الذين لم يُكحل عينين برؤيتهم منذ ربع قرن، مفخرة ما قدمه في قتله لضابط إسرائيلي، ولا يساوره ندم على ما قدمه.

أمل الحرية

ظل الأسير سعيد الغرابلي الذي قضى أمس الأربعاء شهيدا، على أمل أن يكسر الشجعان قيده، كما كسروا سابقاً قيد 1027 أسيراً في صفقة وفاء الأحرار.

ويوضح عصام أن والده أخبره بأنه سيكون من أوائل الأسرى الذين سيتم الإفراج عنهم في أي صفقة تبادل قادمة.

ومن أصعب المواقف التي تركت أثراً في قلب والده داخل الأسر، هي لحظة استشهاد نجله عام 2002 والتي حال الأسر بينه وبين أن يُلقي نظرة الوداع على شطر فؤاده الذي ووري الثرى دون أن يقبله والده قبلة وداع.

ويبيّن عصام أن أخيه الأصغر (27 عاما)، كان يبلغ أشهر حين اعتقل والده، كانت أمنتيه أن يحتضنه والده كما يفعل جميع الآباء، واليوم بعد أن فقد هذا الحلم إلى الأبد، يتمنى أن يُلقي على والده نظرة الوداع قبل أن يوارى الثرى مع أحلام نجله الأصغر.

ويدعو الغرابلي المقاومة بالعمل على تحرير جميع الأسرى الذين ضحوا بزهرات شبابهم داخل سجون الاحتلال.

فجر اليوم الأربعاء توقف قلب الأسير المسن سعدي الغرابلي - الذي يرقد في العناية المكثفة- إلى الأبد، وتلاشت معه أحلام زوجة وتسعة أبناء في عيش لحظة حرية مع  بطلهم الأوحد،  الأب والأنيس والمقاوم الصنديد.