نقابة المحامين والمجلس الأعلى للقضاء.. ما سر الخلاف؟

حجم الخط
أحمد البيتاوي - وكالة سند للأنباء

أثارت "القرارات بقوانين" الأخيرة التي صدرت عن الرئاسة الفلسطينية بشأن تشكيل المحاكم النظامية والإدارية ومجلس القضاء الأعلى، موجة من الاعتراضات تزعمتها نقابة المحامين ومن خلفها نادي القضاة ومؤسسات المجتمع المدني.

مرسوم بقانون| مرسوم تشريعي| قرار بقانون: "قرار يصدر من رئيس الدولة يتضمن قواعد تشريعية في مرتبة القانون الصادر من السلطة التشريعية، وذلك في حالة الضرورة أو بتفويض من السلطة التشريعية".

نقابة المحامين بدورها، أعلنت الأسبوع الماضي عن سلسة خطوات احتجاجية رفضاً لهذه القرارات.

وقد شملت تلك القرارات مقاطعة مجلس القضاء الأعلى الذي وصفته بـ "الجسم غير الشرعي"، وتعليق العمل 3 أيام في جميع المحاكم النظامية والنيابة العامة.

ووجهت النقابة نداءً لمؤسسات المجتمع لكي يكون لها دور بالتصدي "لهذه القرارات المخالفة للقانون الأساسي الفلسطيني والتي تنتهك استقلال القضاء"، وفق وصفها.

وطالبت في بيانها، الرئيس محمود عباس بالتراجع ووقف العمل بالقرارات بقانون رقم 39 و40 و41 لسنة 2020، "لما تضمنته من انتهاكات لكافة المثل والقيم".

وأشار بيان النقابة إلى أن تمرير هذه القرارات "مقدمة لتمرير قرارات أخرى ستُنهي ما تبقى من استقلالية القضاء".

ثلاثة قرارات فجرت الخلاف

ديوان الفتوى والتشريع التابع للرئاسة كان قد نشر بتاريخ 11 يناير الجاري، وعبر جريدة الوقائع الرسمية، ثلاثة قرارات بقوانين.

وكانت القرارات: الأول يحمل الرقم 39 لسنة 2020 بشأن تشكيل المحاكم النظامية، الثاني يحمل الرقم 40 بشأن تعديل قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002، والثالث يحمل الرقم 41 بشأن المحاكم الإدارية.

وبعدها بيوم أصدر الرئيس محمود عباس قراراً بتعيين القاضي عيسى أبو شرار رئيسًا للمحكمة العليا/ محكمة النقض، رئيسًا لمجلس القضاء الأعلى، وهي القرارات التي رفضتها نقابة المحامين وفجرت الخلاف الدائر اليوم.

ويرى المدافعون عن هذه القرارات أن من حق الرئيس إصدار المراسيم التي يراها مناسبة لتنظيم القضاء وتصويبه في ظل غياب المجلس التشريعي.

بقعة الزيت تتوسع

الاعتراض على هذه "القرارات بقوانين" لم يتوقف عند عتبة نقابة المحامين، حيث أعلنت مؤسسات المجتمع المدني؛ التي تضم منظمات وائتلافات وشبكات أهلية ونادي القضاة وقوى وأحزاب سياسية، موقفًا مشابهًا للنقابة.

وأكدت هذه الأطراف في بيان مشترك صدر عنها، دعمها ووقوفها إلى جانب نقابة المحامين "في وقف الانهيار الحاصل في القضاء والدفاع عن استقلاله وحكم القانون ومنظومة الحقوق والحريات".

وحذرت من خطورة الهيمنة والتفرد وتدمير المأسسة في القضاء، وتفصيله على مقاس أشخاص، وإمكانية عرقلة الانتخابات من خلال القضاء العادي والإداري والدستوري.

الطيراوي يدخل على الخط

الاعتراض على هذه القرارات شمل أيضًا قيادات فتحاوية وازنة، حيث أعلن عضو اللجنة المركزية لـ "فتح"، توفيق الطيراوي، وقوفه إلى جانب نقابة المحامين في إجراءاتها.

وعلل الطيراوي موقفه: "لأنها نقابة مهنية ومختصة، والأكثر دراية بالشؤون القانونية"، حسب قوله.

وأشار إلى أن من أصدر هذه القرارات لم يستشر نقابة المحامين التي تضم في عضويتها الآلاف، مؤكدًا تبنيه قرارات النقابة جملة وتفصيلًا.

وهاجم الطيراوي، عيسى أبو شرار رئيس المحكمة العليا/ محكمة النقض، رئيس مجلس القضاء الأعلى. واتهمه بـ "التزوير والنصب والاحتيال".

وقال إنه "وقف خلف إصدار أحكام بالإعدام طالت عددًا من الفدائيين خلال أحداث أيلول 1970 التي وقعت في الأردن، حين كان قاضيا في المحكمة العسكرية الأردنية"، على حد تعبيره.

دعم رئاسي لأبو شرار

مقابل هذه الهجمة، أعرب الرئيس محمود عباس عن دعمه لـ "أبو شرار" والسلطة القضائية واستقلالها.

ووفقَا لوكالة "وفا" الرسمية، فإن الرئيس أجرى مكالمة هاتفية مع أبو شرار أكد خلالها دعمه الكامل له ولمجلس القضاء الأعلى وللسلطة القضائية واستقلالها وأهمية إصلاحها والنهوض بها إلى المستوى المطلوب لاستعادة ثقة الجمهور بها.

مجلس القضاء الأعلى سيد نفسه

وفي ذات الإطار، يقول المحامي عامر حمدان إن "مجلس القضاء الأعلى يشكل نفسه بنفسه ويختار رئيسه وأعضاءه وفق معايير محددة منصوص عليها داخليًا تراعي الأقدمية والتراتبية".

وأشار إلى أن "هذا الأمر كان معمولًا به أيام الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث يقتصر دور الرئاسة على إصدار توجيهات بضرورة تشكيل المجلس فقط دون التدخل ببقية التفاصيل".

وتابع في تصريحات خاصة لـ "وكالة سند للأنباء": "بعد هذه التعديلات والتعينات أصبح مجلس القضاء الأعلى تابعًا للسلطة التنفيذية، هذه الخطوة تضرب في صميم الفصل بين السلطات الثلاث".

وأكمل: "الأمر ذاته تكرر في تدخل السلطة التنفيذية بتشكيل المحاكم الإدارية، حيث تم تعين أعضائها ورئيسها من طرف الرئيس، وهذا يعني أنها ستأتمر بأوامر السلطة التنفيذية".

وأضاف: "الخطير في الموضوع أن المحاكم الإدارية ستكون هي الجهة المشرفة على الانتخابات القادمة وستنظر في الطعون المقدمة لها سواء ضد المرشحين أو القوائم".

وأردف: "وفي حال جاءت نتائج الانتخابات مخالفة لتوجهات السلطة، فلا يوجد أي ضمان لعدم الطعن بالنتائج لأي سبب كان".

ونوه إلى أن تشكيل المحكمة الإدارية وجعلها جهة الاختصاص لمراقبة الانتخابات والطعون "لا داعي له ابتداءً نظرًا لوجود المحكمة العليا".

وشدد حمدان على ضرورة إلغاء هذه القرارات بقوانين، وأن تسير العملية الانتخابية دون أي سيطرة من قبل السلطة التنفيذية.

غياب الفصل بين السلطات

بدوره، قال وزير العدل السابق ورئيس لجنة صياغة الدستور الفلسطيني، أحمد الخالدي، إن الاحتجاجات التي أطلقتها نقابة المحامين رفضاً للقرارات التي صدرت عن الرئاسة "حق طبيعي للجهات المعنية التي مستها هذه القرارات".

وأكد الخالدي لـ "وكالة سند للأنباء" أن تدخل السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية سيفقد المواطنين ثقتهم بالجهات القضائية.

وتابع: "تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى من طرف السلطة التنفيذية أمر مخالف للقانون الأساسي الذي أكد في غير مناسبة على ضرورة الفصل بين السلطات".

ولفت النظر إلى أن توقيت إصدار هذه القوانين التي صدرت بالتزامن مع مراسيم إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني يثير الشكوك عند المراقبين.

ورأى أن ذلك "يأتي كمحاولة من طرف السلطة التنفيذية للتأثير بنتائج هذه الانتخابات".

واستدرك: "صحيح أن المادة 43 من القانون الأساسي تعطي للرئيس صلاحيات بإصدار مراسيم خاصة، لكنه وضع ضوابط عديدة أهمها أن يكون المجلس التشريعي في إجازة، وأن تكون هناك حالة طارئة ومهمة لا تحتمل التأجيل، ما يحصل اليوم من بعيد عن كل هذه الاعتبارات".

وشدد على أن السلطة التنفيذية تحاول اليوم التأثير بشكل مباشر وغير مباشر من خلال هذه التعينات وغيرها على السلطة القضائية والتدخل بعملها وصلاحياتها، وهذا مؤشر خطير ينذر بعواقب وخيمة.

وعن الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة التي تعصف بالقضاء الفلسطيني، أوضح الخبير القانوني: "الحل هو المضي قدمًا في خيار الانتخابات التي ستفرز مجلسًا تشريعيًا يتولى مهام التشريع، مع ضرورة إعادة النظر في جميع المراسيم التي صدرت عن الرئيس خلال الفترة الماضية ومراجعتها وتعديل ما كان منها مخالفاً للقانون الأساسي".

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk