فرحة الثانوية العامة تدخل بيوت الأسرى الفلسطينيين

حجم الخط
البرغوثي.jpg
فاتن عياد الحميدي - لبابة ذوقان - إيمان شبير/ وكالة سند للأنباء

أفراح تنتشر في أرجاء فلسطين، وأجواء البهجة متناثرة أريجها على القلوب، ليحيي الأمل لطلاب الثانوية العامة، الذين تفوقوا بأعلى الدرجات، وتلك الفرحة التي كان ينقصها وجود الآباء معهم، لكن رغم صعوبات الحياة، أصرّ أبناء الأسرى الفلسطينيين على أن يكون لهم بصمة كما لآبائهم، وذلك عبر تفوقهم بنتائج الثانوية العامة.

في هذه المادة تصحبكم "وكالة سند للأنباء"، في رحلةٍ إلى بيوت أهالي الأسرى من مختلف مدن الضفة الغربية، الذين كان لهم حضور باهر في تفوق أبنائهم في اختبارات التوجيهي التي أُعلن عنها صباح اليوم الثلاثاء.

التقينا بالطالبة المتفوقة صفاء عبد الله البرغوثي من مدينة رام الله، الحاصلة على معدل 98.3% الفرع العلمي، وهي ابنة الأسير الفلسطيني عبد الله البرغوثي المحكوم عليه بـ67 مؤبد، والذي يعتبر صاحب أعلى حكم في تاريخ القضية الفلسطينية.

"لم يغب عن خاطري لحظة"

تقول: "كان والدي أمامي، لم يغب عن خاطري لحظةً واحدة، هو دافعي الأول، ومعلمي الكبير، وإن ابتعد جسداً، لكن روحه لم تفارقني".

وكان الأسير "عبدالله" دافع أساسي لتفوق ابنته "صفاء" لماذا؟ تُجيب: "كان يفتخر بي دائمًا ويأمل مني أن أرفع رأسه في كل المحافل، ولم أجد سببًا أكثر من ذلك، لأسعى نحو طموحي وتفوقي".

وفي فرحة ينقصها وجود الأب، تضيف لنا "البرغوثي" كنت أتمنى وجوده لحظة إعلان النتائج، لكنه بلا شك قد علِمها من الإذاعات في معتقلات الاحتلال، ومتيقنة أن سعيد بي وفخور أيضًا".

وللشعور بقرب الوالد أكثر توجهت "صفاء" مع عائلتها إلى الأردن لبيت جدها لأبيها، كي تعيش فرحة التفوق، والحصول على النتيجة في حضن العائلة الكبيرة.

بنبرة تملؤها السعادة، تخبرنا "صفاء" أن جميع مَن في البيت حصلوا على النتيجة في اللحظة نفسها، وقد توقعت معدلاً أقل من هذا نظراً لظروفها واشتياقها لوالدها، وظروف جائحة كورونا والتعليم الإلكتروني.

وتطمح المتفوقة "صفاء" لإكمال الدراسة في اختصاص الطب البشري أو الهندسة، لتكون خير طبيبة أو مهندسة فلسطينية، تدافع عن قضيتها بعلمها، وترفع رأس والدها في جميع المحافل.

وفي بلدة سلواد، نبدأ جولتنا بفرحة التي سهرت ليالٍ تدعو لابنها، وتنسكب العبرات شوقاً لزوجها، ليشاركها فرحة التفوق والنجاح، ويكون العيد عيدين برؤيته بينهم.

"نجحت يا براء.. إنت نجحت"

تروي لنا فرحة تفوق الطالب براء أحمد حامد  والدته "أم البراء"، وهي زوجة الأسير أحمد حامد المحكوم عليه بالسجن ثلاث مؤبدات منذ عام 2003.

بعبارات مبهجة، تحدثنا "أم البراء" عن فرحتها بتفوق ابنها في الثانوية العام بمعدل 92.1%  في الفرع الصناعي: "إن هذه الفرحة لا توصف، لكن النقص كان أكبر من هذا الفرح"، فأول من أرادت أن يكون زوجها الأسير متواجداً ليشاركهم هذه اللحظات.

وتسرد لنا تفاصيل النتيجة: "طلبتُ من أحمد أن يتوضأ لصلاة ركعتي شكرٍ لله على كل حال، مهما كانت النتيجة، وبعد ذلك وصلتني النتيجة لأخبره "براء إنتَ نجحت.. نجحت يا براء".

ورغم الظروف التي تواجه مدن الضفة، إلا أنها لم تُفتر عزيمة الطلاب، وتُشير "أم البراء" إلى أن ابنها يسعى للعلم منذ نعومة أظفاره، ورغم أي صعوبات من الاحتلال والتضييق، إلا أن النجاح كان حليف الفلسطينيين دائماً.

وفي حديثنا مع الطالب المتفوق "براء"، لم يستطع وصف فرحته العارمة بهذا النجاح والذي أهداه لوالده، آملاً أن يقبِّل يديه في يومٍ من الأيام، ورافعاً رأسه في كل مكان.

اختار الطالب "براء" دراسة الفرع الصناعي لميوله في هذا الجانب، وقد اختار اختصاص "الطاقة المتجددة"، والدراسة النظرية بدلاً من اختيار المشاريع في هذا المجال.

ويقول "حامد" إن والده وضع ثقته كاملةً فيه، وهذا ما كان دافعاً ليكون على قدر هذه الأمانة التي كُلِّف بها، وأمه التي كانت الداعم القوي والجندي المجهول المساند له في الأوقات كافة.

وتوقع أحمد حصوله على معدل 85، لكن الله أكرمه با 92.1% ، ليكون الفرح أكبر والعطاء القادم أكثر.

"فرحة مُقيّدة"

الفرحة لم تكتمل، لكن الرضى بهذا النجاح عظيم، والأمل القادم لأن تكون كُل النجاحات بتمام النصر واكتمال العائلة ودفئها، وبتحرر الأسرى من سجون الاحتلال الإسرائيلي.

7.jpg
 

بدموع الفرحِ الكبير، استقبلت الطالبة ابتهال ابنة الأسير ياسر بدرساوي من مدينة نابلس نتيجتها وتفوقها في الثانوية العامة بمعدل 97.4 في الفرع التجاري.

ووسط مشاعر مختلطة بنتيجة "لم تكن تتوقعها" وغصّة غياب الأب الذي يقضي في الاعتقال الإداري منذ مايو/أيار المنصرم، عبّرت ابتهال عن فرحتها وفخرها بالمعدل الذي حصّلته، وأهدت فرحتها لوالده الأسير. 

فالسجن لم يكن عائقًا أمام فرحةِ الأسرى، فأعلن "بدرساوي" فرحته من داخل سجنه بنتيجة ابنته، بتوزيع "حلوان النجاح" على الأسرى.

لكن غياب الأب عنها، زاد من إصرارها وتحديها للواقع الذي تعيشه، للوصول لهدفها وإدخال الفرحة لبيتها ولقلب والدها في سجنه، حسب قولها.

تقول ابتهال "لوكالة سند للأنباء"، "لقد كان اعتقال والدي تحد كبير بالنسبة لي، فقد اعتقل خلال العطلة التي سبقت تقديم الامتحانات النهائية".

"لا تخافي ولا تقلقي ولا تتوتري. أنا معك"، كلمات ربط بها الأب الأسير على قلب ابنته عند اعتقاله، فهو يعلم تمامًا ماذا يعني غيابه عنها في تلك اللحظات.

وبكلمات خالطتها الدموع تتابع ابتهال: "كان والدي يخفف عني عندما يراني متعبة خلال دراستي، كان وجوده بقربي سلوى لي".

وأمضى "البدرساوي" أكثر من عشرة أعوام في سجون الاحتلال غالبيتها بالاعتقال الإداري.

وحرم الاعتقال "البدرساوي" من مشاركة ثلاثة من بناته فرحتهم بالنجاح في الثانوية العامة، حيث لم يشهد معهم إلا فرحة ابنته سجود سابقًا. 

"اتصالٌ من الأسر"

غياب الفرحة الكاملة عن العائلات الفلسطينية أمرٌ طبيعيٌّ في ظلِّ وجود الاحتلال الإسرائيلي، لكن العزيمة والإرادة القوية تعززان من صمود أبناءِ الشعب الفلسطيني.

في حكايةٍ ليست الأولى، تفوقت الطالبة ملاك كريم عياد من مدينةِ بيت لحم، بنتيجةٍ باهرة  97%، رغم ظروف الاعتقال وكورونا التي تعرضت لها عائلتها في فترةِ الثانوية العامة.

تقول المتفوقة ملاك عياد شقيقة الأسير المرابط محمود عياد"، فرحتي كبيرة، رغم إحاطة عائلتي بظروف الاعتقال والاصابة بكورونا".

وتضيف بنبرةٍ من السعادة: لـ "وكالة سند للأنباء" إنها حققت طموح والدها ورفعت رأسه عاليًا، بتفوقها في الثانوية العامة".

وكانت "ملاك" تتوقع التفوق، لكنّ النتيجة جاءت فوق هذه التوقعات، تُكمل: "دائمًا وفي كل اتصال لشقيقي الأسير محمود كان يدعمني، ويُؤكد لي أنني سأرفع رأسه عاليًا، ولأجل هذه اللحظة سعيت".

وبكلماتٍ من الشوق تتابع: "سعدتُ باتصال شقيقي اليوم من داخل الأسر بعد إعلان النتائج، وكان فرحتي فرحتين بنتيجتي وباتصال المرابط محمود، الذي دعمني بكلماته المحفزة".

وليس لدى "ملاك" أمنية في هذا اليوم، سوى أن تكون هذه الفرحة قد وصلت إلى شقيقها الذي يقبع في سجن "عسقلا"، ليزداد فخرًا بها، وتزداد هي سعادةً بذلك.