أكلات قديمة

بالصور بين أصالة التراث وحداثة الحاضر.. أكلات تتربع على الموائد الفلسطينية

حجم الخط
طعام.jpg
فاتن عياد الحميدي - وكالة سند للأنباء

"الحاضر غرسُ الماضي، والمستقبلُ جَنيُ الحاضر، ومَن لا ماضي له، لا حاضر له ولا مستقبل".

على حُب البلاد ترعرع أبناؤها، وعلى التمسك بهويتها وتاريخها ماضون، ليحفظوا ذاك الموروث عنها والطابع الذي يشكل رمزها وهويتها.

وهنا كانت رحلة "وكالة سند للأنباء" بين ثنايا التراث العريق، والطعام المُعّد بحب البلاد الذي نضج من ثمار أينعت من تُراب فلسطين.

المقلوبة، المنسف، الدوالي، المفتول، القدرة، المسخن، المجدرة، الحمص والفلافل، أكلات فلسطينية مشهورة تعتبر رمزاً للتراث الفلسطيني، والذي يحاول الاحتلال الإسرائيلي سرقته ونسبه إليه، لكننا اخترنا اليوم بعضاً من تراثٍ لم يُعرَف كثيراً بين أبناء الجيل الحاضر، ليكون إحياءً له ومنعه من الإندثار.

"تراثي هويتي"

وفي رحلة إلى مدينة القدس التقت "وكالة سند للأنباء" بصاحبة مشروع "تراثي هويتي" الناشطة المقدسية فاطمة خضر والمسؤولة عن بزار البستان للإبداع الذي تسلط الضوء فيه كل يوم سبت على الأكلات التراثية الفلسطينية القديمة؛ لمنع اندثارها، وتوارثها عبر الأجيال الحديثة.

وتذكر لنا "خضر" بعض الأكلات التراثية المقدسية مثل، الشيشبرك، ورق الدوالي بالرز والخضار مع زيت الزيتون بدون اللحم، واللبنة بأنواعها، الخبيزة.

أما عن "الرشتاية" المقدسية، تلك الأكلة الشعبية التي تحتوي على المكونات الغذائية المتوازنة، تُقدَّم للأطفال، للمرضى، والمناسبات البسيطة، وهي تتكون من "عدس، رقاق، بصل، زيت"، كما وضحت لنا "خضر".

وعلى أنغام التراث المقدسي، والأفراح الفلسطينية، تُقدَّم أطباق الجريشة الفلسطينية في الأفراح وليلة الحنة، وهي نوع من أنواع القمح تُطبَخ باجتماع الجيران والنساء للاحتفال وصناعة هذا النوع من الطعام، بالإضافة إلى المعجنات بالزعتر واللحمة.

ولا تخلو الموائد الفلسطينية من المخللات التي تُعطي نكهة تراثية شعبية بحتة، تضيف جمالاً على جمال الطعام، مثل "المقدوس، مخلل الخيار، اللفت".

"حُبٌ حَول الطابون"

لم تزل فلسطين تحتفظ بتراثها، والذي أورثته للأجيال الحديثة في وقتنا الحاضر، ففي قُرى مدينة نابلس يحدثنا الشاب علي شحادة عن بعض الأكلات التراثية القديمة التي تشتهر بها القرى، وتتميز بطقوسها التي تجمع الأجداد والأحفاد ليتشاركوا في صنعها وأكلها.

يقول "شحادة" لـ"سند" تتميز قُرى نابلس بأكلة "الكراديش" وهي ما تُعرف بـ"طعام الفقراء"، تتكون من عدس مجروش، بندورة، بصل، زيت زيتون وفلفل.

وفي أجواء من الفرح، تجتمع العائلات في نابلس مع الأجداد أمام الفُرن القديم "الطابون"، لشرب الشاي بالنعناع المزروع في تراب فلسطين، وتناول خبز الطابون والقراقيش النابلسية، وهنا تتعالى أصوات الضحكات والسمر، في لحظة حُب فلسطيني.

"ماذا عن البدو؟"

تشتهر بعض القرى والبلدات الفلسطينية بالعديد من الأكلات التي تُعدُ رمزاً من رموز التراث الفلسطيني، كما يتميز بعض الأشخاص من القبائل المتعددة بأكلاتٍ إذا ذُكِرَت نُسِبَت إليهم.

وفي محطة "وكالة سند للأنباء" التالية، التي التقت فيها بالسيد عياد الحميدي (70 عاماً)، وهو مهاجرٌ من مدينة بئر السبع الفلسطينية إلى قطاع غزة بعد النكبة عام 1948، يخبرنا أن هناك العديد من الأكلات التقليدية التي يتميز بها البدو والمهاجرين.

وفي ذكر بعض أصناف الطعام التقليدي المعروف عند "البدو" والمهجرين منهم، يقول "عياد" لـ "وكالة سند للأنباء"، إن فتة اللبن والسمن البلدي من أولى الوجبات التراثية لديهم، والتي تتكون من لبن " أبقار، أغنام"، السمن البلدي، وخبز الشراك.

يأتي هذا الصنف من الطعام في المقدمة، نظراً لتربية بعض "البدو" للمواشي مثل الأغنام والأبقار، واستخلاص مكونات الطعام منها، وفقاً لـ "الحميدي".

فتة عجر.jpg


 

ومن فتة اللبن إلى فتة العجر، تلك النكهة التراثية التي تجمع البطيخ والباذنجان والبصل و "خُبز المَلَّة" على الموائد الفلسطينية، حيث يجتمع الكبار والصغار وأواني الفخار، لطهو هذا النوع من الطعام على النار.

وفي صناعة هذه الأكلة الغريبة، يوضح ضيفنا مكونات "فتة العجر"، حيث تتكون مما يُعرف بـ"خبز المَلَّة" وهو خبز يكون على هيئة قرص واحد كبير يُدفن في الرماد الساخن لمدة نصف ساعة، أما المكون الأساسي الثاني ما يُسمى "العجر" وهو ثمار البطيخ غير الناضج، والذي يتم شواؤه على النار.

عُرف عن "البدو" الجود والكرم والإحسان إلى الضيف، ففي المناسبات والأفراح، تنتشر موائد المنسف الفلسطيني المُعد بلحم الضأن، إكراماً للضيف، وإسعاداً للزائرين في حفلات الزفاف.

" مكثتُ في الجزائر 30 عاماً قبل عودتي إلى غزة، ولم تتوانى عائلتي يوماً عن طهو الطعام الفلسطيني والذي تفتقر الجزائر لبعض مكوناته، لكنني حرصت على الحفاظ على هويتي في المكان الذي أذهب إليه، كما كُنا نعطي أهل المدينة الطعام الفلسطيني لترك بصمة فلسطينية هناك"، هذا ما قاله الأستاذ "عياد" في حديثه عن حب الطعام الفلسطيني وحرصه على استمرار موروثه في بلاد الغربة.

"الجريشة وفلاحة الأرض"

أما عن وسط قطاع غزة ننتقل إلى مدينة دير البلح، حيثُ عُرِفَ عن الآباء والأجداد حُب الأرض والتمسك بها وفلاحتها، فزرع الأجداد سنابل القمح، ليصنعوا منه الدَّقيق والطعام، وهُنا اشتُهِرَت "الجريشة".

تبيِّنُ السيدة هدى أبو زيدان لـ" وكالة سند للأنباء" أن أكلةَ الجريشة من أنواع الطعام التراثي المفضل عند سكان المنطقة، خصيصاً في فصل الشتاء، وتتكون من قمح مجروش "خشن"، وعصير البندورة والبصل.

"بتزكر لَمة الجيران علشان يعملوا المفتول"، لم تخن الذاكرة "هدى"، فرسمت لنا لوحة فنية عناصرها الجيران واجتماع الأحباب والأقارب في الأفراح لصناعة "المفتول"، وتجلت لنا معالم الألفة والود ورائحة الزمن الجميل.

تجتمع السيدات الفلسطينيات ليلة الزفاف، يُطربن الحضور بأهازيج وأغانٍ تراثية تبعث بالحب والبهجة في هذه المناسبة، ويضعن أمامهن الدقيق لصناعة المفتول، وتقديمه في الغد على موائد طعام العُرس.

"غزة.. والسماقية"

أما عن السكان الأصليين لمدينة غزة، تتصدر موائدهم الأكلة المعروفة "السماقية" وهي تعتبر من الأكلات الشهيرة في الأفراح وحفلات الشباب، كما قال ضيفنا أبو أنس الحلو.

ويضيف "الحلو" هناك بعد الأكلات الغزاوية غير المعروفة، والتي اشتُهرت بها النساء قديماً مثل، الكِشك، البامية والعدس، لكنها اندثرت في وقتنا الحاضر وقَلما تُطهى.

وتعتبر هذه الأصناف من الطعام جزءاً من ماضٍ عريق وتراث خاص بالفلسطينيين، الذي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتهويده، ونسبه إليه، في محاولةٍ منه لبسط السيطرة والاستيلاء كما فعل بالأرض، ولكن هيهات هيهات بوجود أجيالٍ تحفظُ التاريخ، وتصون الهوية والتراث.

WhatsApp Image 2021-10-06 at 7.17.00 PM.jpeg

 

WhatsApp Image 2021-10-06 at 7.16.57 PM.jpeg

 

WhatsApp Image 2021-10-06 at 7.16.54 PM.jpeg

 

WhatsApp Image 2021-10-06 at 7.16.54 PM (1).jpeg